Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

يرجى الاشتراك في الموقع ليصلكم جديد الموقع

يرجى الاشتراك في الموقع ليصلكم جديد الموقع

الموقع الرسمي لمجدد القرن الرابع عشر وآخر الزمان
الإمام ميرزا غلام أحمد القادياني عليه السلام
الإمام المهدي والمسيح الموعود

الموقع الرسمي لمجدد القرن الرابع عشر وآخر الزمان

الإمام ميرزا غلام أحمد القادياني عليه السلام

الإمام المهدي والمسيح الموعود

الموقع الرسمي لمجدد القرن الرابع عشر وآخر الزمان
الإمام ميرزا غلام أحمد القادياني عليه السلام
الإمام المهدي والمسيح الموعود

معنى {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} (البقرة:1-2)

قال مجدد القرن الرابع عشر وآخر الزمان الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي والمسيح الموعود  :

من بين هذه الآيات يجب التأمل أولا في آيتين: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}، ترَون كيف ردّ الله تعالى على هذه الوسوسة 1 بروعة ودقة متناهية مراعيًا الإيجاز. فأولا بيّن العلة الفاعلة لنزول القرآن الكريم، وأشار إلى عظمته وشوكته، فقال: {الم} أيْ؛ أنا الله أعلم، وأنا الحكيم العليم منزِلُ هذا الكتاب ولا يعادل علمُ أحد علمي. ثم ذكر بعد ذلك علّة القرآن المادية وأشار إلى عظمته فقال: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} .. أي هذا كتاب عظيم ويحتل مرتبة سامية، وعلته المادية هو علم الله. أيْ من الثابت والمتحقق عن هذا الكتاب أن مصدره ومنبعه هو ذات الله الأزلي الحكيم القدير. ففي قوله {ذَلِكَ} اختار الله تعالى لفظا يفيد البُعد، وفي ذلك إشارة إلى أن هذا الكتاب ناتج عن علم ذلك الإله ذي الصفات السامية الذي لا مثيل له ولا نظير، وعلومه الكاملة وأسراره الدقيقة بعيدة كل البُعد عن نظر الإنسان. ثم ذكر – سبحانه وتعالى – أن الكتاب بصورته الظاهرية أيضا جدير بالمدح والثناء، فقال: {لَا رَيْبَ فِيهِ} .. أيْ ما جاء في القرآن الكريم قد جاء بالمعقولية والأدلة الدامغة، ولا يترك مجالا لأي نوع من الشك فيها، بمعنى أنه لا يتضمن قصصا وحكايات مثل الكتب الأخرى، بل يشمل أدلة يقينية وبراهين قاطعة، ويسوق على بيانه حججا بيّنة وأدلة شافية، وهو في حد ذاته معجزة وفي حكم السيف البتّار لقطع الشكوك والشبهات. ولا يترك المرءَ على مرتبة الظن في مجال معرفة الله؛ إذ لا يكتفي بالقول: “يجب أن يكون” فقط، بل يوصله إلى مرتبة اليقين والقطعية.
فبذلك بيّن عظمة العلل الثلاث. ومع عظمة هذه العلل الثلاث التي لها مكانة عظيمة من حيث التأثير والإصلاح، جعل العلة الرابعة لنزوله – أي العلة الغائية، وهي الإرشاد والهداية – مقصورة على المتقين فقط، وقال: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} .. أيْ أن هذا الكتاب قد أُنزل لهداية ذوي الصفات المتميزة الذين سيصلون في نهاية المطاف إلى درجة الإيمان وخشية الله والتقوى الكاملة، وذلك نتيجة طهارتهم الباطنية وعقلهم السليم وفهمهم المستقيم وشوقهم إلى طلب الحق وصحة نيتهم؛ أي أولئك الذين يعلم الله بناء على علمه القديم أن فطرتهم منسجمة مع هذا الهدي، وهم قابلون للتقدم في مجال المعارف الحقة، فينالون الهداية من هذا الكتاب في نهاية المطاف، وسيصلهم هذا الكتاب في كل الأحوال. وسيهديهم الله تعالى قبل موتهم.
لاحِظوا الآن، فقد بيّن الله تعالى هنا بكل جلاء أن الذين يستحقون الهداية في علم الله ويتصفون بصفة التقوى بفطرتهم سيهتدون حتما. ثم زاد الموضوع شرحا وتفصيلا في الآيات التي تلتها فقال بأن الذين سيؤمنون – بحسب علم الله – سينضمون إلى المسلمين عاجلًا أو آجلًا وإن لم ينضموا إليهم إلى الآن، ولن يبقى بعيدا إلا الذين يعلم الله أنهم لن يؤمنوا بالإسلام الحقيقي سواء أأُسدِيت إليهم النصيحة أم لا أو لن يصلوا إلى مراتب التقوى والمعرفة الكاملة. باختصار، قد بيّن الله تعالى في هذه الآيات بوضوح تام أنه لا يستفيد من هدي القرآن إلا المتقين الذين لا تغلب ظلمةُ النفس فطرتَهم الصحيحة ظلمةُ النفس، فسيهتدون بهذا الهدي حتما. أما غير المتقين فلا يستفيدون من هدى القرآن، وليس ضروريا أيضا أن يصلهم هديُه في كل الأحوال. (البراهين الأحمدية، الجزء الثالث، الحاشية رقم 11)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

ما لم تكن علل أربع لكتابٍ ما كاملة لا يمكن تسميته كتابا كاملا، لذا فقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات العلل الأربع للقرآن الكريم وهي: (1) العلة الفاعلة، (2) العلة المادية، (3) العلة الصورية، (4) العلة الغائية. وكلها قد بلغت درجة الكمال. ففي {الم} إشارة إلى العلة الفاعلة ومعناها: أنا الله أعلم. أي أنا الله العالم بالغيب أنزلتُ هذا الكتاب. فما دام الله هو العلة الفاعلة لهذا الكتاب لذا فإن فاعله أقوى وأكمل من أي فاعل آخر. والكلمات: {ذلك الكتاب} تشير إلى كمال العلة المادية وتعني أنه لكتابٌ قد لبس لباس الوجود بعلم الله. ولا شك أن علم الله تعالى أكمل العلوم كلها. أما الكلمات: {لا ريب فيه} فتشير إلى كمال العلة الصورية، وتعني أن هذا الكتاب منزه عن كل خطأ وشك أو ريب. وأي شك في أن الكتاب الذي منشؤه علم الله عديم النظير في كونه صحيحا ومنزها عن كل عيب ونقيصة وريب وكونه الأكمل والأتم. والجملة: {هدى للمتقين} تشير إلى كمال العلة الغائية، أي هذا الكتاب هو الهدي الكامل للمتقين. وإن أكثر ما يمكن أن يقدّم للفطرة الإنسانية من هداية إنما يمكن تقديمه بواسطة هذا الكتاب. (حقيقة الوحي، الحاشية)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

لقد بيّن الله جلّ شأنه الغاية المتوخاة من نزول القرآن أنه: {هُدًى لِلْمُتَّقِيْنَ}، وعدّ المتقين وحدهم بوجه خاص حائزين على الرشد والهداية والبركة من القرآن الكريم، كما يقول: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ.} (مرآة كمالات الإسلام)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

إن الذي لديه مسحة من البصيرة يستطيع أن يدرك جيدا أنه إذا بلغت سلسلة التحقيق والتدقيق مبلغا انكشفت فيه الحقيقة بجلاء تام وسطعت الأدلة الواضحة والشواهد القاطعة من كل حدب وصوب كشمس ساطعة، فإن عملية التنقيح والتفتيش تنقطع في حينها، ويتحتم على كل طالب حقٍ أن يثبت عليها بأقدام راسخة، ولا يسع الإنسان إلا قبولها. ومن الواضح أنه عندما يطّلع الإنسان على ثبوت كامل وتستنير كل زاوية من زوايا الأمر المبحوث عنه كفلق الصبح ويستبين وجه الأمر الحق بكل جلاء، فأنّى لعاقل ذي قوى عقلية سليمة أن يشك فيه، وكيف لا يطمئن له قلبُ ذي عقل سليم؟ غير أنه لو بقيت هناك إمكانية للخطأ ولم تنكشف الحقيقة بجلاء تام، لكان بالإمكان أن يمعن المرء النظر في الموضوع أكثر فأكثر، ويمكن إعادة النظر مرة بعد أخرى بدلا من أن يشك المرء مثل المتوهمين في حقيقة متحققة مُوقِعا نفسه في وساوس سخيفة، لأن ذلك ليس تقدما للأفكار بل هو تقدم في الجنون. والذي تبيَّنَ عليه جواز أمر ما أو عدم جوازه كالشمس في كبد السماء، فهل هو سكران أو مجنون حتى يتساءل بعد الانكشاف التام فيما لو كان الأمر الذي يراه غير جائز، قد يكون جائزا في الحقيقة، أو قد يكون العكس هو الصحيح. غير أنه كان من الممكن أن تطلّ مثل هذه الأسئلة برأسها أو تنشأ في القلوب وساوس من هذا القبيل إذا كان المدار كله على الاجتهادات العقلية فقط، وكان العقل محروما – مثل عقل أتباع البرهمو- من صحبة رفيقه الآخر وموافقته.
ولكن عقل أتباع الإلهام الحقيقيين ليس معوزا وعديم الحيلة هكذا، بل يدعمه ويعينه كلام الله الكامل الذي يوصل سلسلة التحقيقات إلى مركزها الحقيقي ويهبه مرتبة اليقين والمعرفة فلا يبقى مجال للتقدم بعد ذلك ولو خطوة واحدة، لأنه يبين الأدلة العقلية بتمام وكمال من جانب، كما أنه حجة قاطعة – لكونه عديم المثال والنظير – في حد ذاته لليقين بالله وبهديه من جانب آخر؛ فلا يعلم قدر مرتبة حق اليقين هذه التي ينالها طالب الحق نتيجة هذا الثبوت الثنائي إلا مَن كان باحثا عن الله تعالى بصدق القلب، ولا يطلبها إلا الذي يبحث عن الله بروح صادقة. ولكن أنّى لأتباع البرهمو سماج – الذين مبدأهم أنه ما من كتاب ولا إنسان بريء من إمكانية الخطأ – أن يصلوا إلى هذه المرتبة من اليقين ما لم يتوبوا من مبدئهم الشيطاني هذا ويطلبوا سبيل اليقين؟ لأنهم ما داموا لم يتلقَّوا إلى الآن – بحسب اعترافهم – كتابا مثله ولم يختلقوه بأنفسهم أيضا ليجمع في طياته مجموعة المسائل الخالية من الأخطاء؛ فمن الواضح أن إيمانهم لا يزال غارقا في ورطة الشبهات. وإن مبدأهم هذا يدل على أنهم ليسوا حائزين على يقين في أية مسألة من المسائل التي تتعلق بمعرفة الله. ومن المحالات عندهم أن يجمع كتاب بين دفتيه المسائل الصحيحة في علوم الدين. بل قد أعلنوا جهارا نهارا أنه مهما كان الكتاب ينص على وجود الله تعالى تماما ويعُدُّه واحدا لا شريك له وقادرا وخالقا وعالما بالغيب وحكيما ورحمانا ويصفه بصفات كاملة أخرى، ويعدُّه بريئا من الحداثة والفناء والتغيُّر والتبدّل والشرك وغيرها من الأمور المعيبة؛ فمع ذلك كله لا يمكن أن يكون – ذلك الكتاب – خاليا من إمكانية الخطأ عندهم، وبالتالي ليس جديرا باليقين. ولهذا السبب نفسه ينكرون القرآن الكريم أيضا.
لاحِظوا الآن، إن ملخص مذهبهم وإيمانهم بحسب اعترافهم هو أن وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته أيضا ليست خالية من إمكانية الخطأ. وباختصار، ما داموا قد اعترفوا بأنفسهم أنه ليس لديهم كتاب يمكن الجزم بصحته بحسب رأيهم، فتبين من ذلك بجلاء تام أن مذهبهم مؤسَّس على الظنيات فحسب، وأن إيمانهم بعيدٌ من مراتب اليقين كل البُعد. وهذا ما ذكرته مرارا في هذه الحاشية، وقلتُ بأن الطمأنينة الكاملة والقناعة التامة في علم الإلهيات بمجرد الأدلة العقلية محال. ففي هذه الحالة نحن نتفق مع أتباع البرهمو على أنه لا يمكن للإنسان أن يبلغ اليقين الكامل بناء على هدي العقل وحده. وكان الأمر المتنازَع فيه بيننا هو: بحسب رأي البرهمو هل خلق الله الإنسانَ – وأودع فطرة الإنسان حماسا لنوال اليقين والحق المحض بحسب رأيهم – ليبقى مع ذلك خائبا ومحروما من مراده الفطري، ويبقى علمه مقتصرا على أفكار لا تخلو من إمكانية الخطأ فيها، أم أنه – عز وجل – أوجد سبيلا لحصول الإنسان على معرفةٍ كاملة ونجاح كامل، وأعطاه كتابا يفوق مبدأهم المذكور الذي قوامه الخطأ؟ فالحمد لله والمنة على أن نزول هذا الكتاب من الله تعالى قد ثبت لنا بالبراهين القاطعة. وبواسطة هذا الكتاب قد خرجنا من ورطة الهلاك التي ما زال البرهمو واقعين فيها كالأموات، والمقصود بقوله تعالى {ذَلِكَ الْكِتَابُ} هو الكتاب العظيم والمقدس الذي اسمه القرآن، ويُبين فرقا واضحا بين الحق والباطل، وهو منزَّه عن كل خطأ، وصفته الأولى هي: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ}، وهو الذي وضح لنا أن الله تعالى لا يريد أن يهلك الباحثين عن الحق بحرمانهم من مراتب اليقين، بل قد منّ ذلك الرحيم الكريم على عباده الضعفاء والناقصين أن أنجز لهم مهمةً ما كان للعقل أن ينجزها.
والشجرة العالية التي ما كان ليد الإنسان القصيرة أن تصلها، فقد ذلل – سبحانه وتعالى – قطوفها له بيده، وبذلك هيأ لطلاب الحق وعطاشى الصدق يقينا كاملا وقاطعا. وإذ كانت آلاف من دقائق الحقائق الدينية منتشرة كالذرات في أجواء السماء الروحانية البعيدة، وكان ماء الحياة مخفيا ومحتجَبا ومنتشرا كقطرات الندى في ظلمات طبيعة الإنسان ومواهبه العميقة وكان إظهاره وجمعه في مكان واحد من الأجواء اللامتناهية يفوق العقل البشري، وما كان عند قوى البشر الضعيفة أداة دقيقةٌ ودالةٌ على الغيب ليكتشف بها بسهولة ذرات الحقيقة الخفية هذه التي لم يسعفه البصر لرؤيتها كما يجب، ولم تعطه حياته فرصة لجمعها؛ فقد جمع هذا الكتاب الكامل لطائف الحكمة ودقائق المعرفة هذه دون تفاوت أو نقصان أو سهو أو نسيان، ووضعها أمامنا بالقدرة الإلهية والقوة والسلطة الربانية لننال النجاة بشرب هذا الشراب ولا نقع في هوة الموت. واللافت في الموضوع أنه جمعها بكمال وشمولية فلم تبق دقيقة من دقائق الصدق أو لطيفة من لطائف الحكمة خارجه، ولم يدخله أمر ينافي الصدق أو يعارض الحقيقة. وقد كتبنا بصراحة تامة مرارا وتكرارا من أجل إدانة المنكرين وإفحامهم وأعلنّا لهم بصوت عالٍ أنه إذا كان أحد من البرهمو يعدّ أيّ حكم في القرآن الكريم خلافا لحقيقةٍ أو يعدّه خاليا من الصدق، فليقدم اعتراضه، ولسوف ندحض زعمه بفضل الله تعالى ورحمته إذ سينكشف عليه أن ما كان يراه عيبا بحسب ظنه الباطل هو الميزة بعينها. (البراهين الأحمدية، الجزء الرابع، الحاشية رقم 11)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

لقد بيّن القرآن الكريم أن الغاية المتوخاة من نزوله أن يعلّم سبل التقوى كما يقول الله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}، أي لقد نزل هذا الكتاب ليُطلع الناس الذين يجتنبون الذنوب على أدق أنواع الذنوب أيضا لكي يجتنبوا أيضا السيئات التي لا تراها كل عين بل تُرى بمنظار المعرفة فقط وتخطئ النظرة السطحية في رؤيتها. فمثلا قد ورد في إنجيل متّى قول يسوعكم: أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ. ولكن تعليم القرآن هو ألا تنظر إلى نساء غير محرمات لا بالشهوة ولا بغير الشهوة ولا تسمع لحديثهن ولا لصوتهن ولا تسمع لحكايات حُسنهن، فإن اجتناب هذه الأمور ينقذكم من العثار. (نور القرآن رقم 2).

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

إن نقطة المعرفة الكامنة في هذه الآيات هي أن الله تعالى يقول: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} أي قد رأى هذا الكتابُ النورَ بعلم الله تعالى، ولما كان علم الله منزَّها عن الجهل والنسيان فإن هذا الكتاب أيضا منزّه عن كل أنواع الشك والريب. ولمّا كان علم الله تعالى يتضمن قدرة كاملة على إكمال الناس فإن هذا الكتاب هداية كاملة للمتقين، ويوصلهم إلى درجة هي الأعلى والأرفع من حيث تقدم الفطرة الإنسانية. ويقول الله تعالى في هذه الآيات إن المتقين هم أولئك الذين يؤمنون بالله في الغيب، ويقيمون الصلاة وينفقون في سبيل الله من أموالهم، ويؤمنون بالقرآن الكريم والكتب السابقة، وهم الذين يحتلون قمة الهداية، وهم الذين سينالون النجاة. فيتبين من هذه الآيات كلها أن النجاة مستحيلة دون الإيمان بالنبي – صلى الله عليه وسلم – والعمل بأوامره مثل إقامة الصلاة وغيرها. فكاذبون أولئك الذين يبحثون عن النجاة بتركهم عتبات النبي – صلى الله عليه وسلم – ولكن بقيت عقدة قابلة للحل، وهي أنه إذا كان هؤلاء القوم صادقين لكونهم يؤمنون بالله بالغيب، ويقيمون الصلاة ويصومون وينفقون في سبيل الله من أموالهم، فما معنى قوله تعالى: {هدى للمتقين}؟ هل معناه أن هذا الكتاب سيكون سببا لهدايتهم لأنهم مهتدون سابقاً لعملهم بكل الأمور المذكورة؟ ومعلوم أن تحصيل الحاصل فعل عبثي.فالجواب على ذلك أنهم مع إيمانهم وكسبهم أعمالا صالحة يحتاجون استقامةً كاملة وترقيا كاملا لا يمكن أن يهدي إليهما إلا الله، ولا دخل فيهما لسعي الإنسان وجهده. والمراد من الاستقامة أن يترسخ الإيمان في قلوبهم فلا يتعثرون عند أي نوع من الابتلاء. وأن تصدر منهم أعمال صالحة فتصير مدعاة للمتعة دون أن يشعروا بسببها بمشقة أو مرارة، وكأنهم لا يستطيعون العيش بدونها. وأن تصير تلك الأعمال غذاء لأرواحهم وتصبح طعاما وماء زلالا لهم فلا يحيون بدونها. وباختصار، تنشأ في الاستقامة ظروف لا يقدر الإنسان على خلقها بسعيه هو، بل تُخلَق استقامةٌ فوق العادة من قبل الله تعالى مثلما تأتي الروح بفضل من الله – عز وجل – ويجعلها سببا.
والمراد من التقدم هو أن تتولد ظروف – بالإضافة إلى العبادة والإيمان الذي هو ذروة مساعي الإنسان – لا تتولد إلا بيد الله تعالى فقط. وواضح أن سعي الإنسان وعقله لا يرشدانه إلا أن يؤمن بالله الخفي الذي لم يَرَ وجهه. لذا فإن الشرع الإسلامي الذي لا يريد أن يكلِّف الإنسان أكثر من طاقته لا يُكرهه للتقدم في مجال الإيمان على أكثر من الإيمان بالغيب. صحيح أن الصادقين قد وُعدوا في الآية: {هدى للمتقين} أنهم عندما يَثبُتون على الإيمان بالغيب ويبذلون كل ما في وسعهم عندها سيقدِّمهم الله من حالة الإيمان إلى حالة المعرفة، وسيخلق في إيمانهم طابعا جديدا.
ومن علامات صدق القرآن الكريم أن الذين يأتونه لا يتركهم على مرتبة الإيمان والعمل التي يبلغونها بسعيهم – لأنه لو اقتصر الأمر على ذلك لتعذرت معرفة وجود الله – بل يُرتِّب على مساعي الإنسان نتائج من عنده يُلاحظ فيها بريق التدخُّل الإلهي وتصرفه. كما بينت على سبيل المثال أن الإنسان لا يستطيع فعل شيء تجاه الإيمان بالله تعالى أكثر من الإيمان بالله الخفي الذي تشهد على وجوده كل ذرة من هذا العالَم. ولكن ليس بوسع الإنسان أصلا أن يطّلع على الأنوار الإلهية بسعيه وجهده وقوته، ولا يستطيع التقدم من حالة الإيمان إلى حالة المعرفة، ولا يقدر على أن يخلق في نفسه حالة المشاهدة والرؤية.
وكذلك ما الذي يمكن أن ينجزه الإنسان بسعيه وجهده – فيما يتعلق بالصلاة مثلا – أكثر من أن يتطهر لها قدر الإمكان ويصلي معرضا عن الأخطاء المحتملة، ويحاول ألا تكون الصلاة خاويةً، بل تصدر جميع أركانها مثل الحمد والثناء على الله تعالى، والتوبة والاستغفار والدعاء، والصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – بحماس القلب. ولكن ليس بوسع الإنسان أن يحظى في الصلاة بالخشوع فوق العادة، المليء بالحب الخالص، والخضوعِ والفناءِ والشوقِ، والمنزَّهِ عن الشوائب وكأنه يرى الله تعالى. وواضح أنه ما لم تتولد هذه الحالة فإن الصلاة ليست مصونة من الخطر. لذلك يقول تعالى إن المتقين هم الذين يقيمون الصلاة. ومعلوم أنه لا يقام إلا ما هو قابل للسقوط. فمعنى الآية: {يقيمون الصلاة} أنهم يحاولون إقامة الصلاة قدر استطاعتهم ويتكلفون في هذا السبيل ويقومون بالمجاهدات. ولكن مساعي الإنسان كلها تذهب سدى إن لم يحالفها فضل الله تعالى. لذا قال الله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} أي عليهم أن يحاولوا إقامة الصلاة قدر الإمكان، وإذا كانوا يؤمنون بكلامي فلن أتركهم لسعيهم وجهدهم فقط بل سآخذ بيدهم. عندها تأخذ صلاتهم طابعا آخر وتتحلى بميزة أخرى تماما لم تكن في حسبانهم. سيحالفهم هذا الفضل الإلهي لأنهم آمنوا بكلام الله وعملوا بحسب أوامره قدر استطاعتهم. فالهداية الإضافية التي وعد الله بها في الصلاة هي أن يحظى الإنسان في طبعه بحماس وحب خالص وخشوع كامل حتى تُفتح عيناه لرؤية حبيبه الحقيقي، وتتسنى له لرؤية جمال البارئ تعالى حالة خارقة وزاخرة تماما بمتعة روحانية تنفِّر القلب من الرذائل الدنيوية وكافة أنواع المعاصي، سواء كانت تتعلق بالقول أو الفعل أو البصر بحسب قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}(هود: 114) . كذلك العبادة المالية التي يمكن للإنسان أن يسعى فيها لا تتعدى إنفاقَ شيءٍ من أمواله المرغوب فيها في سبيل الله ، كما يقول تعالى في السورة نفسها: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُوُن} (البقرة: 3) ، ويقول في آية أخرى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (آل عمران: 92) ، وواضح أنه لو اقتصرت عبادة الإنسان الماليةُ على إنفاقه في سبيل الله من أمواله المرغوب فيها والمحبَّبَة إليه فحسب، فهذا ليس بالعمل الجبار، بل العمل الجبار هو أن يتخلى الإنسان عن كل شيء كليا، وألا يبقى له ما كان له من قبل، بل يصبح كل شيء لله تعالى، حتى يكون على استعداد تام للتضحية بنفسه أيضا في سبيل الله، لأن ذلك أيضا يدخل في {مِمَّا رَزَقْنَاهُم} والله تعالى لا يقصد من قوله: {مِمَّا رَزَقْنَاهُم} إنفاق الدراهم والدنانير فقط، بل كل نعمة أُعطِيها الإنسان تدخل في ذلك.
فهنا أيضا يهدف الله تعالى من قوله: {هدى للمتقين} إلى أن كل ما أُعطيه الإنسان من النِعم مثل الحياة والصحة، والعلم، والقوة، والمال وغيرها؛ يستطيع من خلالها أن يظهر إخلاصه إلى درجة: {مما رزقناهم ينفقون} فقط، ولا تقدر القوى البشرية على أكثر من ذلك. أما الذي يؤمن بالقرآن الكريم ويظهر إخلاصه إلى: {مما رزقناهم ينفقون} فيعِده الله تعالى – بحسب مضمون الآية: {هدى للمتقين} – أن يوصله إلى درجة الكمال في هذه العبادة أيضا. والمراد من الكمال هنا أن يوهَب قوة على التضحية فيدرك بصدر منشرح أن كل ما كان يملكه قد أصبح لله تعالى. ولن يُشعِر أحدًا أبدا أن تلك الأشياء التي خدم بها البشرية كانت مِلكاً له يوما من الأيام. ففي بعض الأحيان يُشعر المرء غيرَه بالمنّة عليه لإعطائه مالا، وهذا يدل على حالته الناقصة لأنه يشعر بهذا الشعور حين يعدُّ هذا الشيء مِلكا له. فبحسب مضمون الآية: {هدى للمتقين} يرزق الله تعالى المؤمنَ بالقرآن الكريم تقدما فوق هذه المرتبة فيعدّ كل ما يملكه مِلكا لله، حتى يزول منه مرض المنِّ على الآخرين، وتتولد في قلبه مواساة للبشرية كمواساة الأم، بل أكثر منها. ولا يعدّ شيئا مِلكا لنفسه بل يصبح كل شيء لله تعالى. ولكن هذا لن يحدث إلا إذا آمن بالقرآن الكريم والنبي – صلى الله عليه وسلم – بصدق القلب. فما أضلَّ أولئك الذين يعدّون التوحيد المحضَ سببا للنجاة دون اتباع القرآن الكريم والنبي – صلى الله عليه وسلم!- التجربة تؤكد لنا أن مثل أولئك الناس لا يؤمنون بالله إيمانا صادقا ولا يستطيعون أن يتخلصوا من أطماع الدنيا ورغباتها، ناهيك عن وصولهم درجة الكمال. ومن الخطأ تماما القولُ إن الإنسان بنفسه يستطيع أن ينال نعمة التوحيد، بل الحق أن التوحيد يتأتّى بواسطة كلام الله. أما ما يفهمه الإنسان بنفسه فلا يخلو من الشرك. كذلك فيما يتعلق بالإيمان بكتب الله فلا يسع الإنسان إلا التمسك بتقوى الله والإيمان بكتابه والمثابرة على اتباعه بصبر، ولا يقدر على أكثر من ذلك. ولكن الله تعالى قد وعد في الآية: {هدى للمتقين} أنه إذا آمن الإنسان بكتابه ورسوله فيستحق مزيدا من الهداية، وسيفتح الله عينيه ويشرِّفه بمكالماته ومخاطباته، وسيُريه آيات عظيمة حتى يرى الإنسانُ في هذه الدنيا أن إلهه موجود في الحقيقة، وينال طمأنينة كاملة. يعلن كلام الله أنك لو آمنتَ بي لنزلتُ عليك أيضا. لذلك يقول الإمام جعفر – رضي الله عنه – ما مفاده: لقد قرأت كلام الله تعالى بإخلاص وحب وشوق حتى جرى على لساني وحيًا.

(المصدر: كتاب حقيقة الوحي)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

{الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} لكل شيء أربع علل، وقد ذُكرت تلك العلل الأربع هنا أيضا، وهي: العلة الفاعلة والعلة الصورية، والعلة المادية، والعلة الغائية، وقد ذُكرت كلها في هذا المقام في القرآن الكريم.
إن العلة الفاعلة لهذا الكتاب هي “الم” ومعناها عندي: أنا الله أعلم. والعلة المادية هي: “ذلك الكتاب” أي أن هذا الكتاب جاء من الله الذي هو أعلم من غيره. والعلة الصورية هي: “لا ريب فيه” أي ميزة هذا الكتاب وخاصيته هي أنه لا شك فيه ولا ريب. والعلة الغائية هي: “هدى للمتقين”، أي الهدف والغاية من نزول هذا الكتاب هو أنه يهدي المتقين. وبعد ذكر العلل الأربع بين الله تعالى صفات المتقين العامة بأن المتقين هم الذين ينالون الهداية فقال: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} هذه هي صفات المتقين التي بينها الله تعالى. وهنا ينشأ سؤال بالطبع أنه قد بيّن الغاية والهدف من هذا الكتاب أنه “هدى للمتقين” ثم بيّن صفات المتقين أيضا التي توجد كلُّها في شخص من أهل الله الذي يؤمن بالله ويصلي ويتصدق ويؤمن بكتاب الله وبيوم القيامة. فمن كان متصفا بهذه الصفات سابقا ويُسمّى متقيا ويلتزم بكل هذه الأشياء فما هو الهدى الذي سيناله بواسطة هذا الكتاب؟ وما هو الأمر الإضافي الذي نزل الكتاب من أجله؟ يتبين من ذلك أن هناك أمرا آخر وُضع في هذا الهدى لأن هذه الأمور التي ذُكرت كصفات المتقين إنما هي كشروط للهدى الذي هو الهدف الحقيقي والغاية المتوخاة من هذا الكتاب، وإلا فذلك الهدى شيء آخر وهو مرتبة أعلى كشفها الله عليّ وأبيّنها.
اعلموا أن الصفة الأولى من صفات المتقي المذكورة هي “يؤمنون بالغيب”، وهذا بيان حالة المؤمن الابتدائية أنه آمن بأشياء لم يرها. الغيب اسم الله، وهذا الغيب يشمل الجنة والنار وحشر الأجساد وغيرها من الأمور التي لا تزال في حجب الغيب. المؤمن يؤمن بها بداية ولكن الهدي هو أنه يحظى بتلك الحالة إنعاما وهو أن علمه ينتقل من الغيب إلى الشهود، ثم يأتي عليه زمان حين يصبح عارفا بالأمور التي كان يؤمن بها من قبل كغيب، والأمور التي كانت خافية عليه إلى الآن تنكشف أمامه فيراها في حالة الشهود، ثم لا يؤمن بالله غيبا بل يراه بأم عينيه ويكون تجليه – عز وجل – أمامه دائما. فباختصار، يوهب له درجة الشهود بعد ذلك الغيب كما ينال المرء مرتبة العرفان بعد الإيمان فيرى اَلله تعالى في هذا العالم. ولو لم يعطَ هذه المرتبة لما أُعطي مصداق “يؤمنون بالغيب” هدايةً ولا إنعاما، وكأن القرآن ما كان سببا لهدايته. ولكن هذا لا يحدث بل هديُه هو أنه يُخرج إيمانَه من حالة الغيب إلى حالة الشهود. والدليل على ذلك: {مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى}. (الإسراء: 72) المراد من هذا العمى هو عدم تمكّن الإنسان في هذا العالم من مشاهدة تجلي الله تعالى والأمور التي هي في الغيب. وإن جزءا من هذا العمى يوجد في صاحب الغيب ولكن الذي ينال الهداية بحسب “هدى للمتقين” يزول عماه تماما فيتقدم من تلك الحالة. والمراد من التقدم بواسطة هذا الكلام هو أن صاحبه سيتقدم من درجة الإيمان بالغيب إلى درجة الشهود، وهذا هو الهدى له. الصفة الثانية للمتقي: صفة المتقين الثانية هي أنهم “يقيمون الصلاة.” أي أن المتقي يقيم الصلاة بكل ما في وسعه، بمعنى أن الصلاة تسقط فهو يحملها من جديد. أي أن المتقي يخشى الله دائما ويقيم الصلاة. وهذه الحالة تكون مصحوبة بوساوس وأخطار متنوعة تطل برأسها وتفسد خضوعه وتُسقط صلاتَه ولكنه مع هذا العراك يقيمها. فالصلاة تسقط مرة بعد أخرى ولكنه يقيمها مرة بعد أخرى. ويبقى الحال على هذا المنوال إذ يقيم صلاته بالتكلف والسعي الدؤوب إلى أن يهديه الله بكلامه. وما هي تلك الهداية يا تُرى ؟ (المصدر:جريدة الحكم ، بتاريخ 17 يناير 1906م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

عندها تكون حالتهم – بدلا من يقيمون الصلاة – أنهم يتخلصون من حياة العراك والوساوس ويهبهم الله تعالى بواسطة هذا الكتاب مقاما قيل عنه بأن بعض الناس يكونوا كُمَّلا فتصبح لهم الصلاة بمنزلة الغذاء ويُعطَون فيها لذة وذوقا كالتي ينالها المرء عند شربه ماء باردا في حالة العطش الشديد لأنه يشربه برغبة عارمة ويرتوي جيدا ويستمتع به، أو كالتي ينالها المرء إذا وجد طعاما لذيدا وشهيا في حالة جوع شديد فيسعد بأكله أيما سعادة. فتطرأ عليه الحالة نفسها في الصلاة، إذ تصبح الصلاة له نوع من النشوة وبدونها يصاب بالكرب والاضطراب الشديد، وبأداء الصلاة يشعر في قلبه بنوع خاص من السعادة والطمأنينة التي لا يحظى بها كل واحد، ولا يمكن بيانها بالكلمات، ويتقدم الإنسان ويبلغ حالة فيحب الله تعالى حبا ذاتيا فلا يبقى بحاجة إلى إقامة الصلاة من السقوط لأن صلاته في هذه الحالة تكون قائمة بنفسها وتبقى قائمة دائما. تتولد في شخص مثله حالة طبيعية توافق رضاه مع رضا الله تعالى. تطرأ على الإنسان حالة أن حبه ينصبغ بصبغة حب الله الذاتي دون أن يكون فيه تكلُّف أو تصنّع. وكما تستمتع الحيوانات والناس بطعامهم وشرابهم وشهواتهم الأخرى يستمتع المتقي والمؤمن بالصلاة أكثر من ذلك بكثير. لذا يجب أداء الصلاة بكل شروطها. إن الصلاة أصل جميع أنواع التقدم ومعراجها. لذلك فقد قيل: إن الصلاة معراج المؤمن. لقد مضى في الإسلام مئات بل مئات الآلاف من أولياء الله والصلحاء والأبدال والأقطاب، هل تعلمون كيف حصلوا على تلك المدارج والمراتب؟ بواسطة الصلاة نفسها. لقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – “وقرة عيني في الصلاة.” والحق أنه عندما يبلغ الإنسان هذا المبلغ والدرجة تكون الصلاة هي أكمل وأتم متعة له. وهذا هو معنى قول النبي – صلى الله عليه وسلم .- عندها ينجو الإنسان من العراك مع نفسه ويصل إلى مقام أعلى. تذكروا جيدا أن مرحلة “يقيمون الصلاة” هي مرحلة ابتدائية حين تكون صلاة المرء متسمة بعراك النفس وبعدم الذوق فيها. ولكن هدي هذا الكتاب لمثل هذا الشخص هو أنه يتخلص من هذه الدرجة ويصل إلى درجة تكون الصلاة قرة عين له. وليكن معلوما أيضا أن المراد من المتقي في هذا المقام هو مَن كان في حالة النفس اللوامة. درجات النفس الثلاث: إن للنفس ثلاث درجات، النفس الأمارة والنفس اللوامة والنفس المطمئنة. النفس الأمارة تكون متورطة في الفسق والفجور وخاضعة للمعصية. في هذه الحالة لا يتوجه الإنسان إلى الحسنات بل يوجد فيه نوع من التمرد والبغي، ولكنه عندما يتقدم على ذلك قليلا ويخرج من تلك الحالة تطرأ عليه حالة تُسمى “النفس اللوامة” لذا إذا ارتكب سيئة في هذه الحالة ندم أيضا على فعله ولام نفسه وبذلك يتوجه إلى الحسنات أيضا. ولكن في هذه الحالة لا يتغلب على نفسه تماما بل يبقى بينه وبين نفسه عراكا جاريا فيغلبها تارة وتتغلب عليه تارة أخرى. وهذا العراك والحرب يبقى على حاله إلى أن يأخذ فضل الله بيده ويجعله ناجحا ومفلحا فينتصر على نفسه ويصل إلى المرحلة الثالثة التي اسمها “النفس المطمئة” عندها تزول شوائب النفس وتنمحي المفاسد كلها. إن مَثل حالة النفس المطمئنة الأخيرة كمَثل حرب بين دولتين تنتصر فيها دولة دون أخرى فتزيل المفاسد كلها وتقيم الأمن والوئام وبذلك يتغير النظام السابق كما يشير الله تعالى إلى ذلك فيقول: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} (النمل : 34) أي عندما ينتصر الملوك على بلدة يمزقون لحمتها وسداها السابقة كلها، فيُقبض على أعمدة البلدة وزعمائها ونوابها ويُذلَّ المشاهيرُ وهكذا يحدث تغيّر عظيم. هذه هي خاصية الملوك ولقد ظل الحال على هذا المنوال دائما. كذلك حين يتغير الملكوت الروحاني يطرأ الدمار على الملكوت السابق ويُقبض على عباد الشيطان. وتُسحَق وتذَلَّل العواطف والشهوات التي تعيث الفساد في ملكوت الإنسان الروحاني ويبدأ نظام روحاني جديد ويستقر الأمن والسلام.
هذه هي الحالة أو الدرجة التي تسمى “النفس المطمئنة” لأن في هذه المرحلة لا يكون هناك عراك ولا فساد بل تحظى النفس بالسكينة والطمأنينة الكاملة لأن ملكوتا جديدا يكون قد استقر بعد نهاية الحرب ولا يبقى هناك فساد ولا مفسدة بل يكتمل فتح الله على القلب وينزل الله تعالى بنفسه على عرش قلبه. فقد سمى الله تعالى هذه الحالة بالكمال كما قال: {إِنَّ اَلله يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالِْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} .(النحل : 90) أي أن الله تعالى يأمر بالعدل، وإذا تقدمتم على ذلك فيأمركم بالإحسان، وإذا تقدمتم أكثر فيأمركم بإيتاء ذي القربى.
حالة العدل: المراد من حالة العدل هو أن المتقي مأمور بالعدل لإصلاح حالة النفس الأمارة. وفي هذه الحالة يضطر لمعارضة النفس، فمثلا إذا كان على المرء أن يسدد دَين أحد ولكن النفس ترغِّبه في غصبه بأية طريقة ممكنة، وإذا انقضى ميعاده أيضا لجَشِعتْ النفس أكثر وتجاسرت لأنه لا تبقى في هذه الحالة المؤاخذة القانونية أيضا ممكنة. ولكن هذا لا يجوز لأن العدل يقتضي أن يُسدَّد الدَين الواجب وألا يُغصب بالحيل والأعذار.
أقول متأسفا بأن بعض الناس لا يهتمون بهذه الأمور، وهناك بعض من جماعتنا أيضا الذين لا ينتبهون إلا قليلا إلى تسديد ديونهم وهذا يخالف العدل. إن النبي – صلى الله عليه وسلم – ما كان يصلي على أمثالهم. فليتذكر كل واحد منكم جيدا أنه يجب ألا يتهاون في تسديد الديون ويجب الابتعاد كليا من كل نوع من الخيانة لأن التهاون في ذلك يخالف أمر الله تعالى الوارد في هذه الآية.
حالة الإحسان: ثم تأتي درجة الإحسان، والذي يراعي العدل ولا ينقض حدوده يوفقه الله تعالى فيتقدم في الحسنات أكثر لدرجة لا يعدل فقط بل يقوم بإحسان أكبر مقابل إحسان بسيط. ولكن مع ذلك يرافق حالة الإحسان أيضا شيء من الضعف وهو أن صاحبه يمنن بحسنته في وقت من الأوقات؛ فيُطعم أحد شخصا إلى عشر سنوات مثلا وإن لم يطعه المطعَم مرة واحدة يقول المُطعم أنت تتربّى على لقماتنا منذ عشر سنوات، وبذلك يضيع حسنته. الحق أن في المحسن أيضا يكمن نوع من الرياء. ولكن المرتبة الثالثة نزيهة من كل الشوائب، وهي درجة إيتاء ذي القربى.
حالة إيتاء ذي القربى: إن درجة إيتاء ذي القربى إنما هي حالة طبيعية؛ أي في هذه الدرجة تصدر الحسنات من الإنسان طبعيا. ومَثل ذلك كمثل أمّ ترضع ولدها وتربيه ولا يخطر ببالها أبدا أن ولدها سيكسب الأموال بعد أن يكبر ويخدمها، لدرجة لو قال لها الحاكم بأنك إن لم ترضعي ولدك ومات الولد نتيجة ذلك لن يؤاخذك أحد فإنها مع ذلك لا تستطيع أن تترك الرضاعة بناء على ذلك أيضا بل سوف تشتم ملكا مثله لأن تلك التربية بطبعها وليست مبنية على رجاء أو خوف. كذلك عندما يظل الإنسان يتقدم في الحسنات ويبلغ هذا المقام تصدر منه الحسنات وكأنها من طبيعته. فهذه الحالة تسمى “المطمئنة.”
فمعنى “يقيمون الصلاة” هو أنه ما لم يحظ الإنسان بالنفس المطمئنة يبقى في عراك فيتغلب على النفس أحيانا أو تغلبه نفسُه أحيانا أخرى. يستيقظ صباحا ويجد الماء باردا وهو بحاجة إلى الغسل ولكنه يطيع نفسه ويترك الصلاة. ولكنه لو تشجع قليلا لكان بإمكانه أن يسيطر عليها. أقول شكرا لله بأنني أيضا واجهتُ ذات مرة الوضع نفسه إذ كان الطقس شتاء وكنت بحاجة إلى الغسل ولم تتوفر لي حينذاك سهولة لتسخين الماء وكان عندي كتاب “ميزان الحق” لقسيس فخدمني في هذا الموقف إذ أوقدتُ به النار وسخنت الماء وشكرتُ الله تعالى. عندها فهمت أن الشيطان أيضا يمكن أن ينفع أحيانا. أعود إلى صلب الموضوع وأقول إن هذا هو معنى الجملة “يقيمون الصلاة”، والمراد من التقدم على ذلك هو أن يتخلص المرء من هذه الحالة ويصل إلى حالة “المطمئنة.”
تذكروا جيدا أن عاقبة الإيمان بالغيب وحده كانت خطيرة دائما. عندما احتضر أفلاطون قال: اذبحوا لي ديكا على الأقل باسم وثن. أما جالينوس فقال: ضعوا في قبري موضعا بقدر مهبل بغلة ليأتي منه الهواء. فكّروا الآن، هل يمكن أن يكونوا هداةً أناس مثلهم يعيشون في التذبذب والاضطراب؟ صحيح أنه لا فائدة إن لم ينشأ نور في الداخل. ولكن هذا النور يُنال بفضل الله تعالى فقط. صحيح تماما أن كل الطبائع ليست سواسية ولم يخلق الله كل الناس أنبياء.
تأثير الصحبة: إن في الصحبة شرفا كبيرا، وإن تأثيرها ينفع إلى حد ما. إذا كان أحد يملك عطرا فهو يصل إلى جليسه أيضا. كذلك إن صحبة الصالحين تنفخ روح الصدق. أقول صدقا وحقا بأن الصحبة العميقة تجعل النبي وصاحبه سواسية، لذلك قال الله تعالى في القرآن الكريم: {كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} .(التوبة: 119) ومن ميزات الإسلام الفريدة أنه يوجد فيه الصادقون في كل عصر ولكن ماذا يمكن أن يستفيد الآريون أو المسيحيون من هذا الأسلوب لأنه من المسلَّم به عندهم أنه لا يمكن أن يكون الآن أحد واصلا إلى الله ينزل عليه وحي الله المتجدد، فيطهِّر بتوفيق منه أولئك الذين يعيشون عيشا متلطخا بالذنوب.
أقول بكل أسف بأن في الآريين حُمَّة فيطعنون المسلمين دون مبرر. إذا كانوا عاقدين العزم على الاعتراض لا محالة كان عليهم أن يقدموا ميزات دينهم على الأقل ولكن عندما يُطلب منهم أن يقدموا الروحانية مقابل الإسلام لا يستطيعون. إن الطعن ليست ميزة. إنه لغبي وشقي جدا من يطعن في الآخرين دون أن يصل بنفسه إلى أيّ مكان. فمثلا إذا كان هناك طفل يجهل مبادئ أقليدس ولا يعرف عن النتائج التي تُستنبَط من رسومه لن يفرح برؤية الخطوط المنحنية فقط بل سيعترض ولكن لا أهمية لاعتراضه عند العقلاء قط. كذلك هو حال الآريين لأنهم يعترضون ولكنهم بأنفسهم يجهلون الحق والحقيقة ومحرومون منهما. إنهم لا يدركون قدرات الله ولا يستوعبون قوته. ولم يُعطَوا حواس ليشاهدوا بها مشاهد الجنة في هذه الدنيا. إن دينهم يقوم على أساس من الرمل فسيسقط عاجلا أم آجلا. اعلموا أن الله لا يؤيد دينا أعمى ولا ينصره قط. يكفي دليلا على صدق الإسلام أن الله ينصره في كل زمن. وفي هذا الزمن أيضا أرسلني الله تعالى لأثبت نصرته المتجددة. فقد لا يكون منكم أحد لم ير آيات الله … ولكن فليخبرني أحد ما الذي أتى به الفيدا مقابل ذلك؟ إنه ناقص تماما. الناس الآخرون يرون الرؤى على الأقل ولكن أتباع الفيدا يزعمون أنه لا حقيقة للرؤى قط. فما دام الباب اليقيني والمؤدي إلى الله تعالى مغلقا فماذا عسى أن تكون الوسيلة للوصول إلى الله تعالى؟ أقول صدقا وحقا بأني بقدر ما لاحظت أحوال هذه الفرقة لم أجد فيهم شيئا إلا الحذلقة المحضة، أو أن ينضم إليها بعض الناس الذين لا يعرفون شيئا عن الهدف الحقيقي من الدين.
فباختصار، إن الإسلام دين مقدس ومصدر ومنبع الحسنات الحقيقية كلها لكونه أصل الحسنات. لا ينشأ الإيمان الكامل بالله تعالى دون أن يرى الإنسان عجائب قدرة الله وآياته المتجددة دائما. وهذا ليس حاصلا لأي دين سوى الإسلام، وإن كان فليقدمه أحد. إضافة إلى ذلك، من ميزات الإسلام أيضا أنه يزيد على بعض الحسنات الطبيعية التي يكسبها الإنسان لذلك قال: “هدى للمتقين” ولم يقل هدى للظالمين أو للكافرين. قبل مدة من الزمن قال أحد من البرهمو بأننا أيضا نقول “لا إله إلا الله”، ولكن لماذا تقولون: “محمد رسول الله”؟ قلتُ: فائدته أن الإنسان لا يصبح ملحدا. وقد صار الآن ملحدا تماما، لو كان مؤمنا بمحمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لما صار ملحدا.
الحق والحق أقول إن القرآن الكريم كتاب كامل وجامع لا يضاهيه أي كتاب آخر. هل في الفيدا عبارة توازي “هدى للمتقين”؟ إذا كان في الإقرار باللسان فقط كفاية، أي إن لم تكن هناك حاجة للثمرات والنتائج فإن العالم كله يقرّ بوجود الإله بوجه من الوجوه ويستحسن العبادة والصدقات أيضا ويعمل بهذه الأمور بشكل أو بآخر فماذا أعطته الفيدات؟ أو أثبِتوا على الأقل أن الأقوام التي لا تؤمن بالفيدات فُقدت فيهم الحسنات كليا، أو أخبرونا عن ميزة متميزة أخرى في الفيدات . ففي بداية القرآن الكريم جاء الوعد بالترقيات التي تقتضيها الروح طبعا. فقد علّم “اهدنا الصراط المستقيم” في سورة الفاتحة وقال: ادعوا دائما أن اهدنا إلى الصراط المستقيم … وبعد الدعاء فورا بشّر في الآية الأولى من سورة البقرة قائلا: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} وكأن الأرواح تدعو فيُري القبولُ تأثيره فورا ويتحقق وعد قبول الدعاء بصورة نزول القرآن الكريم. فمن ناحية يتم الدعاء ومن ناحية أخرى تُلاحظ النتيجة ظاهرة للعيان. هذا فضل من الله تعالى، ولكن من المؤسف أن الدنيا تجهل ذلك وتغفله وتهلك نفسها لبُعدها منه. أقول مرة أخرى بأن صفات المتقين التي بينها الله تعالى في بداية القرآن الكرم قد عدَّها من الصفات العادية. ولكن الذي يؤمن بالقرآن الكريم ويجعله دستور العمل لهدايته يصل إلى أعلى درجات الهداية ومراتبها التي هي المقصود من “هدى للمتقين.” إن الإنسان يشعر بالمتعة والسعادة بالنظر إلى علة القرآن الكريم المتوخاة التي لا يمكن بيانها بالكلمات لأنها تؤدي إلى معرفة فضل الله الخاص وكمال القرآن الكريم. ثم بيّن إحدى علامات المتقين: “ومما رزقناهم ينفقون”، هذه حالة ابتدائية يشترك بها الجميع لأنه من مقتضى فطرة الإنسان بشكل عام إن جاءه سائل أن يعطيه شيئا وإن كان بسيطا على أية حال. إذ لو كان في البيت عشرة أرغفة لأعطى المتسول رغيفا، وهذا الأمر لا يدخل في الهداية بل هو من طبيعة الإنسان. وليكن معلوما أيضا أن “مما رزقناهم ينفقون” عام وليس المراد منه شيء معين أو المال الطعام أو اللباس المعين بل المراد منه أنهم ينفقون في سبيل الله من كلّ ما أعطاهم الله تعالى. باختصار، إن هذا الإنفاق عام ولا يشترط فيه كون المرء مسلما. إذًا، الإنفاق نوعان: أولا النابع عن فطرة الإنسان والثاني هو تحت تأثير النبوة. المراد من الناجم عن الفطرة هو كما بينت من قبل بأنه من منكم لا يعطي شيئا إذا أتاكم أسير أو جائع سائلا بعد ما كان عريانا أو جائعا منذ أيام لأن ذلك يدخل في طبيعة الإنسان. وقلتُ أيضا بأن “مما رزقناهم” ليس خاصا بالمال فقط بل يشمل كل نوع من الرزق سواء أكان ماديا أم علميا. ومن يُنفق من العلم أو من المال يدخل في ذلك، وكذلك الطبيب أيضا؛ ولكن لم يبلغ إلى الآن مقاما يريد القرآن أن يبلّغه، وذلك المقام هو أن ينذر حياته لوجه الله، وهذا يسمَّى وقفا لله. عندما يبلغ أحد هذا المقام والمرتبة لا يبقى في مرحلة: “مما” لأنه ما دام في مرحلة “مما” كان ناقصا، ولم يصل إلى علة القرآن الكريم الغائية. ولكنه يكون كاملا حين لا يتوقف على هذا الحد فقط بل يصبح وجوده كله وكل فعل من أفعاله وقفا تماما لمواساة بني البشر بسبب أمر الله تعالى وإذنه. قولوا إن شئتم بتعبير آخر إن كمال “مما رزقناهم ينفقون” يكمن في كونه بحسب: “هدى للمتقين”. بعد ذلك بين صفة أخرى للمتقين وهي أنهم يتصرفون بحسب “والذين يؤمنون بما أنزل إليك”، وكذلك يؤمنون بما أنزله الله تعالى قبل النبي – صلى الله عليه وسلم .- ولكن السؤال الآن هو أنه إذا كان هذا هو المراد من الإيمان فما معنى الهداية إذًا؟ المراد منها هو أن يصبح الإنسان جديرا بأن يُفتح عليه باب الوحي والإلهام وينزل عليه الوحي الذي يتقدم بسببه إيمانه ويبلغ درجة المعرفة واليقين الكامل فينال ذلك التقدم الذي كان الهدف الحقيقي من الهداية. وتنزل عليه الإنعامات التي تُنال بالمكالمة الإلهية. اعلموا أن الله تعالى لم يغلق باب الوحي والإلهام. والذين يعدّون هذه الأمة محرومة من نعمة الوحي مخطئون جدا ولم يفهموا الغرض الحقيقي من القرآن الكريم. إنهم يرون أفراد هذه الأمة كالوحوش وأن بركات النبي – صلى الله عليه وسلم – وتأثيراته قد انقطعت والعياذ بالله، وأن الإله الذي كان يتكلم من الأزل سكت في هذا العصر. إنهم لا يدرون أنه لا معنى للقول: “هدى للمتقين” إن لم تكن هناك إمكانية مكالمة الله ومخاطبته، إذ لا يقوم دليل على وجود الله بدون المكالمة والمخاطبة. ولماذا قال في القرآن الكريم: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (العنْكبوت: 69) . وقال أيضا: {إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.(فصلت:30). والآن، لا يمكن أن يكون نزول الملائكة بغير المكالمة والمخاطبة. كلا، بل الملائكة يبشرونهم. وهذه هي ميزة الإسلام وكماله الذي لم يحصل للأديان الأخرى. الاستقامة شيء صعب، أي سواء أحلّت بهم الزلازل أو الفتن أو أُلقوا في أنواع المصائب لا يحدث الخلل في استقامتهم بل يزدادون إخلاصا ووفاء. فهم الذين يستحقون أن ينزل عليهم ملائكة الله ويبشروهم بألا يحزنوا قط. اعلموا يقينا أن الله تعالى قد وعد في القرآن الكريم في عدة آيات بسلسلة الوحي والإلهام، وهذا خاص بالإسلام فقط، إذ قد خُتم عليه عند المسيحيين أيضا فلا يستطيعون أن يخبروا عن أيّ شخص يُكرم بمكالمة الله ومخاطبته. أما الفيدات فقد ختمت عليه سابقا. إن دينهم هو أن الإلهام قد انقطع إلى الأبد بعد إلهام الفيدات. وكأن الإله تكلّم من قبل ولكنه صار أبكم الآن. فأقول: إن كان لا يتكلم الآن ولا يستفيض من فيضه أحد الآن فما الدليل على أنه كان يتكلم من قبل؟ هل يسمع ويرى الآن؟ إنني أتأسف جدا حين أسمع مثل هذا الكلام من فم المسلمين أنه لا يمكن لأحد أن ينال نعمة المكالمة والمخاطبة الآن. لا أدري لماذا يختم عليها مثل المسيحيين والآريين؟ إن لم تكن هذه الميزة في الإسلام فبماذا يفوق الأديان الأخرى ويمتاز عنها؟ . هذا لا يتحقق بمحض التوحيد لأن البرهمو أيضا يؤمنون بإله واحد ويتصدقون ويذكرون الله بحسب تقاليدهم ويتحلون بالصفات الأخلاقية نفسها. فما الفرق إذًا بينهم وبين المسلمين لأن هذه الأمور قد تأتي كتقليد محض أيضا. فما الجواب على ذلك؟ ليس له جواب إلا أن وجه الإسلام الأغرّ يُشاهَد بالآيات المتميزة التي تُنال بواسطة مكالمة الله. اعلموا أن فضل الله الذي يأتي من السماء لا يسع أحدا أن يسرقه أو يقلّده. لولا المكالمة والمخاطبة والأفضال في الإسلام لما كان الإسلام شيئا يُذكر. إن مفخرة الإسلام هي أنه يورث المؤمن الحقيقي إنعامات وتفضلات وهو في الحقيقة دين يُري اَلله عيانا في هذه الدنيا. وهذا ما يهدف إليه الإسلام لأن هذا هو السبيل الوحيد الذي بسببه يحل الموت بحياة الإنسان المتلطخة بالذنوب ويطهره ويفتح عليه باب النجاة الحقيقية لأنه ما لم يكن هناك يقين كامل بالله تعالى لا تتسنى النجاة قط. كما أنه إذا استيقن الإنسان أن هناك حية في مكان كذا لما دخله قط. كذلك اليقين بالموت نتيجة تناول السم ينقذه من تناوله، كذلك إذا كان اليقين بالله كاملا بأنه سميع وبصير ويجازينا على أفعالنا وكان المرء يكره الذنوب بشدة فأنى له أن يتجاسر مع هذا اليقين؟ الحق أن روح الإسلام وحقيقته هي أنه يُكرم الإنسان بشرف المكالمة والمخاطبة. لقد وعد الله تعالى أنه يعطي الإنعامات والأفضال من عنده. وعندما يبلغ الإنسان هذه الدرجة يقال عنه: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

(المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 31-1-1906م).

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

لقد قال القرآن الكريم في مستهله: “هدى للمتقين”، فالتقوى شرط ضروري لفهم القرآن الكريم والاهتداء بحسبه. وقال في آية أخرى: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (الواقعة:79). وهذا ليس شرطا في العلوم الأخرى. لا يُشترط لتعلم الرياضيات والهندسة وعلم الأفلاك وغيرها أن يكون متعلمها متقيا وورعا حتما بل يتعلمها مهما كان فاسقا وفاجرا. ولكن لا يمكن أن يتقدم في علوم الدين فيلسوف أو عالم المنطق الجاف ولا تنكشف عليه الحقائق والمعارف. ومن كان قلبه فاسدا وليس له نصيب من التقوى ومع ذلك يقول بأن علوم الدين وحقائقه تجري على لسانه فهو كاذب لأنه لا يمكن أن يجد نصيبا من حقائق الدين ومعارفه قط، بل الحصول على اللطائف والنكات الدينية مشروط بكون المرء متقيا …..
أما الذين يتكلمون بروح القدس فلا يتكلمون إلا بالتقوى. تذكروا جيدا أن التقوى مفتاح علوم الدين كلها فلا يتعلمها الإنسان إلا بالتقوى كما يقول الله تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} هذا الكتاب يهدي المتقين الذين يؤمنون بالغيب، أي بالإله الذي لا يُرى إلى ذلك الحين. ثم يقيمون الصلاة أي لا ينالون فيها متعة وسرورا كاملا إلى الآن بل يقيمونها دون التذوق وبقلب غير راغب ووسط الوساوس، ومما رزقناهم ينفقون ويؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك.
هذه هي مدارج المتقي وصفاته الابتدائية. وكما قلت من قبل، هنا ينشأ اعتراض في الظاهر أنهم ماداموا يؤمنون بالله ويصلّون وينفقون وكذلك يؤمنون بكتب الله فما المراد من الهداية أكثر من ذلك؟ وكأنه تحصيل حاصل. إذ الكلمة “ينفقون” تشمل كلا الأمرين، أي يعطي صاحبُه الآخرين الطعام واللباس أو المال أو ينفق من أجل القوم. وجوابه: إن هذه العبارات وهذه الكلمات، كما وردت، لا تدل على كمال سلوك الإنسان ومعرفته التامة. إذا كان “يؤمنون بالغيب” ذروة الهداية فما معنى المعرفة إذًا؟ لذا إن الذي يلتزم بهدي القرآن الكريم هو الذي يصل إلى أعلى مقام المعرفة وسيخرج من حالة “يؤمنون بالغيب” ويتقدم إلى حالة المشاهدة فسيحظى بمرتبة عين اليقين بوجود الله تعالى. وبذلك ستكون الحالة الابتدائية للصلاة كما بينتها هنا بأنهم يقيمون الصلاة بمعنى أنها تسقط مرة بعد أخرى. والمراد من سقوطها أنها تخلو من التذوق واللذة بل ترافقها سلسلة الوساوس بدلا من التذوق. لذا لا يوجد فيها الجذب حتى يسعى الإنسان إليها كما يسعى إلى الطعام والماء مضطربا من الجوع والعطش. ولكنه حين ينال الهداية لا يبقى الحال على هذا المنوال بل يجد فيها متعة وتنتهي سلسلة الوساوس وتبدأ الطمأنينة والسكينة.
يروى أن شخصا فقَدَ شيئا فقال: انتظروا قليلا سأذكره في الصلاة. هذه الصلاة ليست صلاة الكُمّل لأن الشيطان يوسوس فيها. ولكن حين ينال المرء درجة كاملة سيكون في حالة الصلاة دائما ولن تعيقه تجارة آلاف الروبيات أو مصلحة أخرى. وكذلك لن تبقى الكيفيات الأخرى أيضا في حالة القال بل تنشأ فيها كيفية الحال وينتقل المرء من الغيب إلى الشهود. وهذه المراتب ليست للبيان فقط لتسمعوا وتفرحوا لبعض الوقت، كلا، بل هي كنز عظيم فلا تتركوه بل استخرجوه فهو موجود في بيتكم ويمكنكم أن تنالوه بسعي وجهد بسيط. (المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 24-1-1907م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

ليكن معلوما أن الصفاء الذهني أيضا يُنال بالتقوى لذلك قال الله تعالى: {الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} والذين ليس فيهم التقوى هم عميان. وإذا رآه أحد بنظر طاهر وبتقوى الله فيرى فيه كل شيء. وأما إذا كانت عيناه معصوبتان بضماد العناد والتعصب فلا يمكن أن يرى فيه شيئا. (المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 10-1-1908م)

 

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

ثم انظروا، فقد عُدّت التقوى شيئا عظيما جدا لدرجة عُدّت الغاية المتوخاة من القرآن الكريم. وقد قال الله تعالى في مستهل السورة الثانية: {الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} إن مذهبي هو أن هذا الترتيب القرآني يحتل مرتبة عظيمة، وقد ذكر الله فيها عِللا أربعا أي العلة الفاعلة والعلة المادية والعلة الصورية والعلة الغائية. هذه العلل الأربع ترافق كل شيء غير أن القرآن الكريم يُريها بصورة أكمل. ففي “الم” إشارة إلى أن الله الأعلمَ أنزل هذا الكلام على محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، أي أن الله تعالى هو فاعله. وفي “ذلك الكتاب” أخبر عن الكتاب نفسه وهذه علة مادية. والعلة الصورية هي: “لا ريب فيه” أي يمكن أن تتطرق الشكوك والشبهات والظنون الفاسدة إلى كل شيء ولكن القرآن كتاب لا ريب فيه. فلما أخبر الله تعالى بنفسه عن عظمة هذا الكتاب أنه “لا ريب فيه” فلا بد أن تقفز روح كل سليم الفطرة وسعيد وتتمنى أن تعمل بحسب هدي هذا الكتاب. أقول بكل أسف بأن شأن القرآن الكريم الأجلى والأصفى لا يُقدّم أمام العالم وإلا فإن ميزاته وكمالاته وحسنه يملك في نفسه جذبا تنجذب القلوب إليه تلقائيا. مثلا إذا أُثني على حديقة جميلة وذُكرت شجراتها ذات الرائحة الزكية ونباتاتها التي تنعش القلوب وذُكرت طرقاتها والأنهار وقنوات ذوات ماء زلال؛ لتمنى كل شخص أن يزورها ويتنزه فيها ويستمتع بها. وإذا أُخبر أيضا أن فيها ينابيع تشفي الأمراض المزمنة والفتاكة لتوجَّه إليها الناس بحماس ورغبة أكبر. كذلك لو بُيّنت محاسن القرآن الكريم وكمالاته بألفاظ جميلة ومؤثرة لسعت إليه الروح بكل حماس. والحق أن ما تطمئن له الروح وتشبع وما يقضي على حاجة الروح الحقيقية هو القرآن الكريم وحده، لذلك قال الله تعالى: “هدى للمتقين” وقال في آية أخرى: “لايمسه إلا المطهرون.” والمراد من المطهرين هم المتقون المذكورون في: “هدى للمتقين.”
ويتبين من ذلك بجلاء أن التقوى ضرورية لانكشاف علوم القرآن. هناك فرق واضح وبيّن بين العلوم الظاهرية والعلوم القرآنية. التقوى ليست شرطا للعلوم الدنيوية والرسمية. وليس ضروريا لدارس الصَرف والنحو وعلوم الطبيعة والفلسفة والأفلاك والطب وغيرها أن يكون ملتزما بالصلاة والصوم وبأوامر الله ونواهيه دائما، أو أن يُخضِع كل قوله وفعله لحكومة أحكام الله تعالى، بل قد لوحظ عادة أن البارعين في علوم دنيوية وطلابها يصبحون دهريين ويتورطون في أنواع الفسق والفجور. وهناك مثال واضح موجود أمام العالم اليوم وهو مثال أوروبا وأمريكا؛ إذ قد تقدموا كثيرا في علوم أرضية ويكتشفون أشياء جديدة كل يوم جديد ولكن حالتهم الروحانية والأخلاقية تبعث على الخجل. إن أحوال متنزهات لندن وفنادق باريس التي تُنشر بين حين وآخر لا نستطيع حتى ذكرها. ولكن التقوى هي الشرط الأول للحصول على العلوم السماوية والأسرار القرآنية وتحتاج إلى التوبة النصوح. وما لم يحمل الإنسان نير أحكام الله تعالى بكل تواضع وتذلل وما لم يرجع المرء إلى الله تعالى خائفا جلاله وجبروته لن يُفتح عليه باب العلوم القرآنية، ولن ينال من القرآن الكريم أسبابا لتربية خواص الروح والتقوى التي بنيلها ينال الإنسان المتعة والطمأنينة. إن القرآن الكريم كتاب الله وعلومه بيد الله والتقوى ضرورية للحصول عليها. فكيف يمكن إذًا أن يستفيد منه الملاحدة والأشرار وذوو النفوس الخبيثة وأسرى الرغبات الأرضية. لذا إذا كان المسلم يُدعى مسلما- ومهما كان عالما كبيرا في علوم الصرف والنحو والمعاني وغيرها من العلوم وكان يُعدّ شيخ الكل في نظر العالم – إلا أنه لا يُعطى نصيبا من علوم القرآن الكريم إن لم يزكِّ نفسه.
أرى أن انتباه العالم مركَّز حاليا على علوم أرضية. وقد حير التنويرُ الغربي العالمَ باكتشافاته وصنائعه، وكل ما خططه المسلمون لصالحهم وفلاحهم هو أنهم اتخذوا لسوء حظهم أهل الغرب أئمة لهم واعتزوا بتقليد أوروبا. هذه هي حال المسلمين المتأثرين بالتنوير الحديث، أما الذين يعدّون مسلمين من طراز قديم ويعدون أنفسهم حماة الدين المتين فإن ملخّص تحصيلهم الممتد على مدى حياتهم ومغزاه هو أنهم متورطون في متاهات الصرف والنحو فقط ويصبّون جُلّ اهتمامهم على كلمة “ضالين” ولا ينتبهون إلى القرآن الكريم أدنى انتباه. والحق أنه لا يمكن لهم ذلك لأنهم لا يتوجهون إلى تزكية النفس. صحيح أن هناك فئة تدّعي تزكية النفس وهي فئة الصوفية وأصحاب الزوايا. ولكنهم هجروا القرآن الكريم واخترعوا من عندهم أساليب مختلفة. فمنهم من يقوم بدورات التنسك إلى أربعين يوما، ومنهم من يرفع هتافات “إلا الله” ومنهم من يمارس عمليات: “النفي” و”الإثبات” و”التوجه” و”حبس النفس” وغيرها. فقد اخترعوا طرقا لا تثبت من النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا يؤيدها القرآن الكريم، ولم تستحسنها سلسلة النبوة قط. إذًا، يجب الانتباه إلى أنه لا يمكن أن يطلع الإنسان على معارف القرآن الكريم ومحاسنه ما لم يزكِّ نفسه. في القرآن الكريم حقائق ومعارف تخمد ظمأ الروح. ليت الدنيا تعلم فيما تكمن متعة الروح، وليتها تعلم أنها تكمن في القرآن الكريم وحده. اعلموا، بقدر ما يُحدث الإنسان تغييرا في نفسه يدخل في زمرة الأبدال، وإن حقائق القرآن لا تنكشف ما لم يدخل في زمرة الأبدال. لقد أخطا الناس كثيرا في فهم معنى الأبدال وفهموا من عند أنفسهم معان مغايرة تماما. والحق أن الأبدال هم الذين يُحدثون في أنفسهم تغيرات طيبة وبسبب هذه التغييرات يزول من قلوبهم ظلمة الذنب وصدأه، وتتلاشى حكومة الشيطان ويتمكن عرش الله من قلوبهم. ثم ينالون القوة من روح القدس ويستفيضون بفيض الله. إنني أبشّركم أن الذي يُحدث في نفسه تغيّرا فهو من الأبدال. إذا خطا الإنسان إلى الله تعالى خطوة يأخذه فضل الله بيده مسرعا ويرشده. صحيح تماما وأقول لكم صدقا وحقا؛ إن علوم القرآن الكريم لا تُنال بالحذلقة، وليست القوة الدماغية أو الذهنية وحدها وسيلة لجذبها بل الوسيلة الحقيقية هي التقوى. والله تعالى يعلّم المتقي بنفسه لذلك تكاد تكون الأمِّية سمة الأنبياء الغالبة. لهذا السبب أُرسل نبينا الأكرم – صلى الله عليه وسلم – أميا إذ لم يتعلم في مدرسة ولم يتخذ أحدا معلِّما له ومع ذلك بيّن من المعارف والحقائق ما ترك البارعين في علوم الدنيا في حيرة من أمرهم. فقد جرى على لسانه كتاب كامل مثل القرآن الكريم أفحمت فصاحته وبلاغته العرب كلهم. ماذا كان السبب وراء أفضليته – صلى الله عليه وسلم – على غيره في العلوم؟ كان السبب الوحيد هو التقوى. أيّ دليل أقوى على طهارة حياة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من أنه أتى بكتاب مثل القرآن الكريم الذي حيّرت علومُه العالم كلَّه؟. إن كونه أُمِّيا مثال ودليل على أن التقوى هي المطلوبة للحصول على العلوم القرآنية أو السماوية وليست الحذلقة الدنيوية. فالهدف والغاية الحقيقية للقرآن هو تعليم العالم التقوى ليحقق بواسطته هدف الحصول على الهداية. (المصدر: جريدة الحَكَم، مجلد 5، بتاريخ 31-3-1901م)

 

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

ومن البديهي تماما أنه ما لم يترك الإنسان أخلاقه الرذيلة لا يستطيع أن يقبل مقابلها الأخلاق الفاضلة التي هي الوسيلة للوصول إلى الله تعالى، لأن اجتماع الضدين في قلب واحد محال. هذا ما أشار الله تعالى إليه في بداية سورة البقرة فقال: {هُدًى لِّلْمُتَّقِيْن} إن هدي الله ينفع الذين لا يستكبرون بل الذين يتدبرن كلام الله تعالى بالخشوع والتواضع وهم الذين يهتدون في النهاية. (المصدر : ملحق كتاب البراهين الأحمدية، الجزء الخامس)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

والسبب في ذلك أن في طبيعة الإنسان بُخلا أيضا بمقتضى البشرية، ولو ملك جبلا من ذهب لكان فيه عندئذ أيضا نصيب من البخل، وما أراد أن يفلتَ كل ماله من يده. ولكن حينما تحالفه قوة توهب له بحسب مضمون الآية: {هدى للمتقين} عندها ينشرح صدره فيزول البخل وشح النفس كله. وعندها يصبح ابتغاء مرضاة الله أحب إليه من كل أنواع المال، فلا يريد أن يجمع في الأرض كنوزا فانية بل يجمع رزقه في السماء. (المصدر: كتاب حقيقة الوحي، الحاشية)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

والسبب في ذلك أن في طبيعة الإنسان بُخلا أيضا بمقتضى البشرية، ولو ملك جبلا من ذهب لكان فيه عندئذ أيضا نصيب من البخل، وما أراد أن يفلتَ كل ماله من يده. ولكن حينما تحالفه قوة توهب له بحسب مضمون الآية: {هدى للمتقين} عندها ينشرح صدره فيزول البخل وشح النفس كله. وعندها يصبح ابتغاء مرضاة الله أحب إليه من كل أنواع المال، فلا يريد أن يجمع في الأرض كنوزا فانية بل يجمع رزقه في السماء. (المصدر: كتاب حقيقة الوحي، الحاشية)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

لقد جعل الإسلام الطريقَ، الذي ذكره الله تعالى في القرآن الكريم، سهلا وواسعا جدا؛ فقال: “اهدنا الصراط المستقيم.” فلما علّم الله تعالى الدعاء لم يكتف بتعليم الدعاء دون أن يهيئ الأسباب. بل الحق أنه حين علّم الدعاء هيأ الأسباب أيضا كلها. ففي الآية التالية إشارة إلى استجابة الدعاء إذ قال : {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} إنها لضيافة أسبابها موجودة سلفا. (المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 31-3-1905م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

الكتابة بدون النقاط ليست بأمر ذي بال، بل هي نوع من التكلُّف، والخوضُ في التكلفات لغو. إن صفة المؤمنين هي: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} (المؤمنون: 3)، ولكن إن كنتم ترون الكتابة بغير النقاط معجزة ففي القرآن أيضا معجزة دون نقاط وهي: “لا ريب فيه”، أي ليس فيه لفظ فيه ريب. إن معجزته هي أنه: { لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ}.(فصلت: 42) ماذا عسى أن تكون ميزة فريدة أكبر منها؟ لقد نشرت إعلانات عدة مرات أن قدّموا لنا حقيقة لا نستطيع استخراجها من القرآن الكريم.(المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 17-11-1905م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

التكاليف في سبيل الدين نوعان: التكاليف الشرعية مثل الصلاة والصيام والحج والزكاة. فالإنسان يضطر لترك عمله للصلاة، ويضر بتجارته ويذهب إلى المسجد، وفي الشتاء ينهض في الهزيع الأخير من الليل. وفي شهر رمضان يتحمل الجوع والعطش، وفي الحج يتحمل مشاق السفر، وفي حال أداء الزكاة يسلِّم أمواله للآخرين. فكل هذه تكاليف شرعية وتجلب الثواب للإنسان وتقدّم خطواته إلى الله تعالى. ولكن أُعطي الإنسان مع ذلك فسحة العمل فيجد فيها سبيلا لراحته؛ مثلا يسخن الماء في أيام الشتاء، وإن كان غير قادر على الصلاة قائما يصلي جالسا، وفي رمضان يتسحَّر ملئ بطنه، بل هناك بعض الناس الذين ينفقون في شهر الصيام أكثر من الأيام العادية. إذًا، فإن الإنسان يجد سببا للراحة في كل هذه التكاليف الشرعية لذلك لا يتطهر بالكامل ولا يستطيع أن يعبر منازل السلوك سريعا. أما التكاليف السماوية التي تنزل من السماء فلا خيار فيها للإنسان ولا مندوحة له من تحمّلها. لذا فإنه ينال قرب الله تعالى بواسطتها. لقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم كِلا النوعين من التكاليف، فقد قال عن التكاليف الشرعية في الجزء الأول: {الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} أي المؤمن من يؤمن بالله غيبا، ويقيم صلاته، بمعنى أن هناك مئات الوساوس تخالج قلوب المؤمنين وتَصرِفها إلى جانب آخر ولكنهم يتوجهون إلى الله تعالى مرة بعد أخرى ويقيمون مرة بعد أخرى الصلاة التي تسقط بسبب الوساوس. وينفقون مما رزقهم الله، هذه كلها تكاليف شرعية وقد ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم. ولكن الاعتماد الكلي عليها ليس مدعاة للثواب لأن الإنسان يتهاون في أمور كثيرة، وكثيرا ما يتجاهل حقيقة الصلاة ومغزاها ويؤدي الشعيرة فقط. لذلك وُضعت التكاليف السماوية أيضا لتقدم الإنسان في المدارج. وقد ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم إذ قال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.(البقرة: 155 – 157). (المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 18-1-1905م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

بيّن الله تعالى الغاية المتوخاة من القرآن الكريم في قوله: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} ولم يقل هدى للفاسقين أو هدى للكافرين. إن التقوى الابتدائية- التي بعد الحصول عليها يطلق على المرء كلمة “المتقي-” جزء من الفطرة التي أُودعت في فطرة السعداء. وتُربِّيه الربوبيةُ الأولى وتزوِّده بالوجود، الأمر الذي يتسبب في ولادة المتقي الأولى. أما النور الباطني الذي عُبِّر عنه بروح القدس فيتولد من: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} (المؤمنون: 14) نتيجة الاتصال والعلاقة الكاملة والمتينة بين العبودية الخالصة والتامة وبين الربوبية الكاملة المستجمعة. وهذه هي الربوبية الثانية التي بسببها يولد المتقي ولادة ثانية، ويصل إلى مقام الملكوت. ثم تأتي بعدها درجة الربوبية الثالثة؛ التي تُسمّى خلقا آخر، عندها يصل المتقي مقام اللاهوت، وينال ولادة ثالثة. (المصدر: تبليغ الرسالة ، مجموعة الإعلانات)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

لقد قال تعالى “هُدًى لِّلْمُتَّقِين” في مستهل القرآن الكريم وكأنه استعد للإعطاء، أي هذا الكتاب يعد بإيصال المتقين إلى ذروة الكمال. ومعنى ذلك أنه ينفع الذين هم جاهزون للامتناع وسماع النصيحة. المتقي الحائز على هذه الدرجة يستعد لسماع كلمة الحق متخليا عن ميل طبيعته، فعندما يُسلم أحد يصبح تقيا. عندما تأتي أيام السعادة على أحد من أصحاب الأديان الأخرى تنشأ فيه التقوى ويزول العُجب والزهو، لأنها كانت هي العراقيل فزالت وبزوالها فتحت نافذة بيت مظلم ودخلته الأشعة. فحين قال: “هُدًى لِّلْمُتَّقِين” استخدم كلمة “الاتقاء” وهي من مصدر الافتعال الذي يفيد التكلُّف أي فيه إشارة إلى أن التقوى المطلوبة لا تخلو من التكلُّف وللمحافظة عليها أُعطيت التعليمات في هذا الكتاب. أي أن المتقي يحتاج إلى التكلف لكسب الحسنة. وعندما تمر هذه المرحلة يصبح السالك عبدا صالحا أي تزول عنه نزعة التكلّف ويبدأ بكسب الحسنات بمقتضى طبعه وفطرته وبالتالي يدخل دار الأمان التي لا خطر فيها، وبهذا تنتهي الحرب ضد أهواء النفس ويدخل المرء في المأمن ويتخلص من كل أنواع الأخطار. فإلى هذا الأمر أشار هادينا الكامل – صلى الله عليه وسلم – حين قال ما مفاده: مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ شَيْطَان وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ. فالمتقي يبقى في حرب مع الشيطان دائما ولكنه عندما يصبح صالحا تنتهي الحروب كلها. خذوا الرياء مثلا الذي يحاربه المرء دائما. فالمتقي يبقى في ميدان الوغا دائما. وإذا رافقته يد فضل الله ينال الفتح. إن سرعة الرياء كسرعة الأرضة ففي بعض الأحيان يفسح الإنسان للرياء مجالا ولو بغير قصد منه لينشأ في قلبه. فلو فقدَ الإنسان سكينا مثلا وسأل عنها المتقي، تنشب بين المتقي والشيطان حرب نوعا ما إذ يسوِّل له الشيطان أن سؤال صاحبها عنها بهذه الطريقة إهانة لك؛ فتكون هناك إمكانية أن يحتدم الثاني ويمكن أن يحدث الشجار أيضا بينهما. ففي هذه الحالة يواجه المتقي حربا مع رغبة سيئة في نفسه. وإذا كان أمينا لوجه الله فلا حاجة للغضب أصلا لأن الأمانة كلما كانت مخفية كانت أفضل. فمثلا إذا واجه تاجر الجواهر بعض اللصوص في الطريق وتشاوروا فيما بينهم وقال البعض بأنه ثريٌ وقال الآخرون إنه فقير. فمن الطبيعي أن يرضى تاجر الجواهر بالذين يعدّونه فقيرا معدما. إذًا، ما هي حقيقة الدنيا؟ إنها لدار الابتلاء. فمن أخفى كل شيء واجتنب الرياء كان أفضل. إن الذين تكون أعمالهم لله لا يُظهرونها قط، فأولئك هم المتقون. لقد قرأت في “تذكرة الأولياء” أن رجلا صالحا قال في مجمع إنه بحاجة إلى بعض النقود فليساعِده أحد، فأعطاه أحد الناس ألف روبية معتبرا إياه صالحا. فأثنى الصالح على جُوده وسخائه بعد استلامه النقود. فتضايق المعطي على ذلك وقال في نفسه بأنه إذا تلقى المدح والثناء في هذه الدنيا فلعله يحرم من الأجر في الآخرة. فعاد بعد مدة وجيزة وقال بأن النقود كانت لوالدتي وهي لا تريد أن تعطيها فرُدَّت إليه نقوده. عندها لعنه الجميع وقالوا إنه يكذب لأنه لا يريد أن يعطي النقود. وعندما وصل الصالحُ بيته جاء صاحب النقود إلى بيته وقدم له النقود وقال: لقد مدحتني أمام الناس وبذلك حرمتني من ثواب الآخرة لذا قدمت ذلك العذر. أما الآن فهذه النقود لك كلها ولكن عليك ألا تذكر هذا الأمر لأحد. فبكى الرجل الصالح وقال: لقد صار المسكين محل لعن وطعن إلى يوم القيامة لأن ما حدث البارحة يعلمه الجميع ولا يعلم أحد أنه أعاد النقود إليّ.
إن المتقي يحارب نفسه الأمارة ويخفي أفكاره ولكن الله تعالى يُظهر أفكاره الخفية. كما أن شخصا سيئا عندما يرتكب فاحشة يريد إخفاءها كذلك يصلى المتقي خفية ويخاف أن يره أحد. المتقي الصادق يريد الستر نوعا ما. إن للتقوى مراتب مختلفة ولكن التقوى بحاجة إلى التكلف في كل الأحوال. إن المتقي يبقى في حالة الحرب أما الصالح فيتخلص منها، فكما قلت آنفا إن المتقي في حالة الحرب دائما. في بعض الأحيان تنشب الحرب بين الرياء والحلم، وأحيانا أخرى يغضبُ الإنسان على عكس مقتضى كتاب الله، فتثور نفسه بسماع الشتيمة. التقوى تعلّمه أن يكظم الغيض كما يقول القرآن الكريم: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} .(الفرقان: 72) كذلك يضطر في معظم الأحيان لمحاربة عدم الصبر. والمراد من عدم الصبر أنه يواجه في سبيل التقوى صعابا لدرجة يصل إلى غايته المتوخاة بصعوبة بالغة فيفقد الصبر. فمثلا إذا كان ضروريا أن يُحفَر البئر إلى خمسين ذراعا ولكنه لو ترك عملية الحفر بعد الحفر إلى ذراع أو ذراعين لكان ذلك بسبب سوء الظن، ولكن شرط التقوى هو أن يبلّغ أوامر الله منتهاها ولا يفقد الصبر. (المصدر : خطبة الجلسة السنوية عام 1897م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

لقد أظهر الله تعالى معجزة روحانية بإنزال القرآن الكريم لكي يطّلع الإنسان على المعارف والحقائق والخوارق الروحانية التي لم يطلع عليها من قبل. ولكن من المؤسف أنه قد تُركت العلة الغائية من القرآن الكريم وهي “هدى للمتقين” وعُدّ مجموعة القصص فقط. وأُعرض عنه بعدم المبالاة البالغة منتهاها والأنانية كما عدّه مشركو العرب أساطير الأولين. كان ذلك الزمن زمن بعثة النبي – صلى الله عليه وسلم – ونزول القرآن الكريم حين جاء ليذكِّر بالقوى المفقودة من العالم. أما الآن فقد حان الزمن الذي تنبأ به النبي – صلى الله عليه وسلم – بأن الناس يقرأون القرآن ولكنه لا يجاوز تراقيهم. (خطبة الجلسة السنوية عام 1897م )

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

اعلموا أن الله تعالى قد أراد من إنزال القرآن الكريم وبعثة النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يُرى في الدنيا نموذج الرحمة العظيمة كما قال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} .( الأنبياء: 107) كذلك ذكر الغرض من إنزال القرآن الكريم أنه: “هدى للمتقين”، وإنها أغراض عظيمة الشأن لا يوجد لها نظير. (المصدر: جريدة الحَكَم ، بتاريخ 17-3-1905م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

إن أصل التقوى أن يترك المرء العبودية ويتحد بالألوهية كما تتحد قطعات الخشب مع الجدار نتيجة الاتصال به. وألا يبقى بينه وبين الله حائل قط. الأمور ثلاثة أنواع، أولا: البديهية واليقينية، أي أن يبدو الشيء سيئا أو جيدا في الظاهر. ثانيا: اليقينية النظرية بمعنى أنها يقينية ولكنها لا تبدو جيدة أوسيئة في الظاهر، وثالثا: الأمور المشتبه فيها التي يُشَكّ في كونها سيئة. فالمتقي هو ذلك الذي يجتنب هذا الاحتمال والشبهة أيضا ويعبر المراتب الثلاثة … كنت أنظم شعرا في موضوع التقوى ونُقل فيه شطرٌ إلهامي والبيت هو: “إن أصل كل حسنة هو التقوى* إنْ بقي هذا الأصل بقي كل شيء.” الشطر الثاني من البيت إلهامي. حيثما لا توجد التقوى لا تكون الحسنة حسنة. يقول الله تعالى في نعت القرآن الكريم: “هدى للمتقين” أي القرآن أيضا يهدي الذين يتقون. الذين يقرأون القرآن في البداية المراد من تقواهم هو ألا يقرأوه بالجهل والحسد والبخل، بل يقرأوه مع تقوى نور القلب وصدق النية. (المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 31-8-1901م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

لقد اخترع المتنسكون المعاصرون بدعات كثيرة لدرجة يحفظ بعضهم أوراد الهندوس أيضا ويعدّونها مقدسة. كان أخي مولعا بالرياضة فجاءه ذات مرة مصارع وعندما أوشك على المغادرة أخذ أخي جانبا وقال له: أعطيك تحفة عجيبة وثمينة جدا. قال ذلك ثم قرأ وردا وقال بأنه مؤثر جدا إذ لو قُرئ مرة واحدة صباحا لما بقيت حاجة لأداء الصلاة على مدى النهار كله ولا للوضوء. إن هؤلاء الناس يسيئون إلى كلام الله، ويتركون الكلام المقدس الذي وعِدَ فيه “هدى للمتقين” ويتخبطون خبط عشواء. إن إيمان المرء إنما يتقدم إذا عمل بأوامر الله وثبت على التوكل على الله. (المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 31-8-1907م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

القرآن الكريم يعلّم التقوى، وهذه هي علته الغائية. وإن لم يسلك المرء مسلك التقوى فلا فائدة من صلاته بل يمكن أن تكون مفتاح جهنم. يقول الشاعر السعدي مشيرا إلى هذا الأمر ما تعريبه: “الصلاة التي يصليها المرء للرياء هي مفتاح جهنم”. (المصدر: جريدة الحَكَم، ، بتاريخ 17-4-1903م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

الأصل كله هو التقوى والطهارة، منهما يبدأ الإيمان وبهما يُسقَى وتُكبَت الأهواء النفسانية. (المصدر: جريدة الحَكَم، عدد 12-12-1902م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

التقوى هي أساس كل شيء، وبها قد استُهلّ القرآن الكريم. والمراد من “إياك نعبد وإياك نستعين” أيضا هو التقوى بمعنى أنه مع أن الإنسان يقوم بالأعمال ولكن لا يتشجع بسبب الخوف أن ينسبها إلى نفسه بل يعدّها نتيجة الاستعانة بالله. ثم يستعين به – عز وجل – في المستقبل أيضا. والسورة الثانية أيضا تبدأ بـ “هدى للمتقين.” الصلاة والصوم والزكاة وغيرها من الأعمال كلها تُقبل بسبب التقوى. إذا كان الإنسان تقيا رفع الله عنه دواعي الذنب كلها، وإذا كان بحاجة إلى الزوج يرزقه الزوج، وإذا احتاج الدواء هيأ له الدواء. فأيّ شيء كان بحاجة إليها يعطيه الله تعالى ويرزقه من حيث لا يحتسب. (المصدر: جريدة البدر، بتاريخ 24-12-1902م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

كلما ذكر الله التقوى قال إن أساس كل علم -المراد هنا هو العلم الأخروي وليس العلم الأرضي والدنيوي- هو التقوى، وأساس الحسنات كلها هو التقوى. إن الله تعالى بنفسه يكفل المتقي ويُظهر له آيات عجيبة. فقال في مستهل القرآن الكريم “هدى للمتقين”، لذا التقوى هي الأصل المهم لفهم القرآن الكريم والاهتداء به. (المصدر: جريدة الحَكَم،  بتاريخ 24-1-1907م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

اتقوا الله فإن التقوى أصل كل شيء. إن معنى التقوى هو اجتناب الذنوب الدقيقة. المراد من التقوى أن يجتنب المرء شيئا يُشكَّ أن فيه أدنى نوع من السيئة. (المصدر: جريدة الحَكَم،  بتاريخ 11-8-1901م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

إن تأثير التقوى يظهر في المتقي في هذه الدنيا، ولا يؤجل بل يظهر للعيان فورا بل كما يؤثر السم والترياق في الجسم فورا كذلك تؤثر التقوى أيضا. (المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 11-8-1901م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

إن الأئمة الأربعة في رأيي كانوا علامة بركة وكانوا يحظون بالروحانية لأن الروحانية تبدأ من التقوى فكانوا متقين في الحقيقة وكانون يخشون الله وما كانت لقلوبهم علاقة مع كلاب الدنيا. اعلموا أن التقوى شيء عظيم. الخوارق تصدر بسبب التقوى، وإن لم تظهر الخوارق فمع ذلك ينال المرء العظمة نتيجة التقوى. التقوى ثروة بالحصول عليها يمكن للإنسان أن يفنى في حب الله تعالى ويفنى وجوده. إن كمال التقوى هو ألا يبقى للإنسان وجود ويصبح مصداقا للمثل الفارسي القائل: لقد صقلتُ نفسي بسببه لدرجة سبقت المرآة. هذا هو المراد من التوحيد ومن فكرة وحدة الوجود التي أخطأ فيها الناس وعدّوها شيئا آخر تماما. أيّ دين وتقوى أن يدّعي المرء الألوهية مع كونه عبدا ضعيفا وعاجزا … الحق أن مدار الأخلاق الفاضلة وتزكية النفس هو التقوى التي لا توجد في هؤلاء الناس لسوء الحظ. (المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 24-12-1901م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

الحق أن التقوى هي الشيء الوحيد الذي بسببه ينال الإنسان إكراما. (المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 17-9-1902م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

إن الأئمة الأربعة في رأيي كانوا علامة بركة وكانوا يحظون بالروحانية لأن الروحانية تبدأ من التقوى فكانوا متقين في الحقيقة وكانون يخشون الله وما كانت لقلوبهم علاقة مع كلاب الدنيا. اعلموا أن التقوى شيء عظيم. الخوارق تصدر بسبب التقوى، وإن لم تظهر الخوارق فمع ذلك ينال المرء العظمة نتيجة التقوى. التقوى ثروة بالحصول عليها يمكن للإنسان أن يفنى في حب الله تعالى ويفنى وجوده. إن كمال التقوى هو ألا يبقى للإنسان وجود ويصبح مصداقا للمثل الفارسي القائل: لقد صقلتُ نفسي بسببه لدرجة سبقت المرآة. هذا هو المراد من التوحيد ومن فكرة وحدة الوجود التي أخطأ فيها الناس وعدّوها شيئا آخر تماما. أيّ دين وتقوى أن يدّعي المرء الألوهية مع كونه عبدا ضعيفا وعاجزا … الحق أن مدار الأخلاق الفاضلة وتزكية النفس هو التقوى التي لا توجد في هؤلاء الناس لسوء الحظ. (المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 24-12-1901م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

الذي يجتنب السيئة خشية لله وابتغاء لمرضاته يسمّى متقيا … لقد وعد الله تعالى المتقي إذ قال: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} .(الطّلاق: 2) لقد اتخذ الناس أعذارا مختلفة لنبذ التقوى، إذ يقول البعض بأن تجاراتنا لا تزدهر دون الكذب، ويتهمون الآخرين بأننا لو قلنا الحق لما وثقوا بنا. وهناك بعض آخرون يقولون بأنه لا تقوم لنا قائمة دون أخذ الربا، فأنّى لمثل هؤلاء الناس أن يُعَدّوا متقين. لقد وعد الله تعالى أنه يُخرج المتقي من المشاكل ويرزقه من حيث لا يحتسب. يقول الله تعالى بأن الذين يعملون بحسب كتابه سيعطيهم الرزق من كل جانب، من فوقهم ومن تحتهم. ثم يقول: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ} (الذاريات: 22) وهذا يعني أن رزقكم ليس نتيجة مساعيكم وجهودكم وخططكم بل هو فوق ذلك كله. إن هؤلاء الناس لا يستفيدون من هذه الوعود ولا يتقون. والذي لا يتقي الله يبقى غارقا في المعاصي وتحول في طريقه عوائق كثيرة. (المصدر: جريدة البدر، بتاريخ 1-7-1904م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

يقول الله تعالى في الحديث القدسي: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب. انظروا كم هي عليا مرتبة المتقي، وكم هو عال شأنه عند الله؛ فإذا كان إيذاؤه بمنزلة إيذاء الله فلأي مدى سيساعده الله تعالى! يصاب الناس بمصائب كثيرة ولكن الأتقياء يُنقذون منها بل يُنقذ منها جليسهم أيضا. إن المصائب لا تُعد ولا تحصى بل إن باطن الإنسان مليء بها لدرجة لا يمكن تقديرها. خذوا الأمراض مثلا فهي وحدها تكفي لخلق آلاف المصائب. ولكن الذي يدخل حصن التقوى يُحفَظ منها، ومن كان خارجه فهو في فلاة مليئة بالسباع والوحوش. (خطبة الجلسة السنوية عام 1897م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

يقول الله تعالى في الحديث القدسي: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب. انظروا كم هي عليا مرتبة المتقي، وكم هو عال شأنه عند الله؛ فإذا كان إيذاؤه بمنزلة إيذاء الله فلأي مدى سيساعده الله تعالى! يصاب الناس بمصائب كثيرة ولكن الأتقياء يُنقذون منها بل يُنقذ منها جليسهم أيضا. إن المصائب لا تُعد ولا تحصى بل إن باطن الإنسان مليء بها لدرجة لا يمكن تقديرها. خذوا الأمراض مثلا فهي وحدها تكفي لخلق آلاف المصائب. ولكن الذي يدخل حصن التقوى يُحفَظ منها، ومن كان خارجه فهو في فلاة مليئة بالسباع والوحوش. (خطبة الجلسة السنوية عام 1897م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

لقد أراد الله للمتقين أن يحظوا بكلتي المتعتين، أحيانا بصورة المتعة الدنيوية والراحة والطيبات وأحيانا أخرى بصورة العسر والمصائب، وذلك ليضربوا مثلا كاملا للأخلاق من كِلي الجانبين. فبعض الأخلاق تنكشف عند حيازة الإنسان القوةَ وبعضها عند المصائب. إن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان حائزا على كِلا الأمرين. فقدر ما نستطيع أن نضربه من مثل على أخلاقه لا يسع قوما آخرين أن يقدموا مثله عن نبيهم. (خطبة الجلسة السنوية عام 1897م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

يقول الله تعالى: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} .( فصلت: 31) هذه الآية أيضا تكذّب هؤلاء الجهلة الذين أنكروا نزول الملائكة في هذه الحياة. فمثلا لو نزل الملائكة على أحد عند الاحتضار فقط كيف كان الله وليّه في الحياة الدنيا؟ إنها لمن نعمة الله أن الأولياء يرون الملائكة. الحياة الأخروية تعتمد على الإيمان فحسب ولكن المتقين لا يرون الحياة الأخروية بل يصلون إلى الله ويرَونه ويكلِّمهم في هذه الحياة. فإن لم يحظ الإنسان بذلك كان موته ورحيله من هذه الدنيا سيئا جدا. يقول أحد الأولياء بأن الذي لم يحظ بالرؤيا الصالحة مدى الحياة كانت عاقبته مهددة بالخطر كما جعل القرآن الكريم ذلك علامة المؤمن. اعلموا أن الذي لا توجد فيه هذه العلامة لا توجد فيه التقوى. لذا عليكم أن تدعوا الله تعالى دائما أن يتحقق فيكم هذا الشرط وتنالوا من الله تعالى فيض الإلهامات والرؤى والكشوف لأنها من صفات المؤمنين لذا يجب تحققها. (خطبة الجلسة السنوية عام 1897م).

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

لأن رؤية البارئ تعالى والمكالمات والكشوف لا تتسنى حين يكون المرء في مرحلة “المتقي” لذا يكون بحاجة إلى الإيمان بالغيب أولا. ويكون في مرحلة الإيمان تكلُّفا لأنه يؤمن بوجود الله تعالى نظرا إلى القرائن القوية ويكون إيمانه هذا بين الشك واليقين.
يجب التذكر أن بعض الناس لا يحظون بهذه الدرجة من التقوى أيضا بل هم شبه ملحدين إذ يرون الآثار والآيات ومع ذلك لا يؤمنون بوجود الله ولكن المتقي يؤمن به – عز وجل – كما يقول: “يؤمنون بالغيب”، فلا تظنوا أن درجتها أدنى أو مرتبتها أقل، أو الذين يخطون خطوات تفوق الفهم هم مجاهدون كبار ولهم مراتب ومدارج عليا. كلا، بل هذه الحالة من الإيمان بالغيب في المرحلة الأولى للمتقي ذات أهمية بالغة عند الله. لقد ورد في الحديث الشريف ما مفاده أن النبي – صلى الله عليه وسلم – سأل الصحابة: أتدرون من الأقوى إيمانا؟ قالوا أنت يا رسول الله. قال لا، إني أرى جبريل كل يوم وأرى آيات الله كل حين وآن. قال الصحابة: أفنحن؟ قال: لا، أنتم أيضا ترون آيات الله. ثم قال النبي – صلى الله عليه وسلم :- الذين سيأتون بعدي بمئات السنين إيمانهم عجيب لأنهم لا يرون آيات كما ترونها أنتم ومع ذلك يؤمنون بالله.1فباختصار، لو مات المتقي وهو في المرحلة الابتدائية أدخله الله تعالى في هذه الفئة وسجل اسمه في هذا السجل مع أنه لا يعرف مكالمات الله ومخاطباته ولم يجد نصيبا من تلك اللذة والمتعة أيضا، ولكنه مع ذلك يُري قوة فلا يؤمن بالله تعالى فحسب بل يثبت إيمانه بعمله أيضا أي “يقيمون الصلاة.” في حالة التقوى أيضا تخالج الوساوس أثناء الصلاة وتنشأ أصناف الأوهام والشكوك وتشتت الأفكار ولكنهم مع ذلك لا يتركون الصلاة ولا يكلّون ولا يملّون. وهناك آخرون يصلون الصلاة لبضعة أيام ثم تنتابهم الظنون الفاسدة والأفكار المشتتة فيتركون الصلاة ويجلسون متعَبين. ولكن المتقي لا يعرف الكلل والملل بل يقيم الصلاة. إن الصلاة تسقط مرة بعد أخرى وهو يقيمها كذلك. في مرحلة التقوى يأتي على المتقي زمنان، زمن الابتلاء وزمن الاصطفاء. يأتي وقت الابتلاء لتعرفوا قدركم ومنزلتكم وقدرتكم وليتبين من الذي يؤمن بالله إيمان الصادقين. لذا أحيانا تُحرجه الأوهام والشكوك وأحيانا أخرى تتولد في قلبه اعتراضات وأوهام عن وجود الله تعالى. يجب على المؤمن الصادق ألا يخاف في هذا المقام بل عليه أن يتقدم إلى الأمام دائما…..

لا يرضى الشيطان الخبيث ما لم يجعل المرء ينكر وجود الله تعالى ورسالة النبي – صلى الله عليه وسلم .- يلقي في القلوب وسوسة تلو وسوسة، ويهلك مئات آلاف الناس بل عشرات الملايين منهم بهذه الوساوس إذ يقولون: لنفعل الآن ولسوف نرى فيما بعد مع أن الإنسان لا يدري هل سيتنفس في اللحظة التالية أم لا ولكن الشيطان يشجعه ويعطيه آمالا كبيرة ووعودا معسولة. هذا أول درس يعلّمه الشيطان. ولكن المؤمن يكون شجاعا ويُعطَى شجاعة فيقاوم كل وسوسة لذا فقد قال تعالى: “يقيمون الصلاة” أي أنهم لا يملّون في هذه المرحلة ولا يتعبون. وإن عدم تولّد الأنس والذوق والشوق لا يثّبط من همتهم، بل يستمرون في أداء الصلاة في هذه الحالة من عدم الذوق والمتعة إلى أن تتلاشى كل الوساوس والأوهام. يُهزم الشيطانُ وينتصر المؤمنُ. فخلاصة الكلام أن مرحلة “المتقي” هذه ليست مرحلة التهاون بل زمن الثبوت في الميدان لذا عليه أن يقاوم الوساوس بكل شجاعة. (المصدر: جريدة الحكم، بتاريخ 17-2-1901م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

لأن رؤية البارئ تعالى والمكالمات والكشوف لا تتسنى حين يكون المرء في مرحلة “المتقي” لذا يكون بحاجة إلى الإيمان بالغيب أولا. ويكون في مرحلة الإيمان تكلُّفا لأنه يؤمن بوجود الله تعالى نظرا إلى القرائن القوية ويكون إيمانه هذا بين الشك واليقين.
يجب التذكر أن بعض الناس لا يحظون بهذه الدرجة من التقوى أيضا بل هم شبه ملحدين إذ يرون الآثار والآيات ومع ذلك لا يؤمنون بوجود الله ولكن المتقي يؤمن به – عز وجل – كما يقول: “يؤمنون بالغيب”، فلا تظنوا أن درجتها أدنى أو مرتبتها أقل، أو الذين يخطون خطوات تفوق الفهم هم مجاهدون كبار ولهم مراتب ومدارج عليا. كلا، بل هذه الحالة من الإيمان بالغيب في المرحلة الأولى للمتقي ذات أهمية بالغة عند الله. لقد ورد في الحديث الشريف ما مفاده أن النبي – صلى الله عليه وسلم – سأل الصحابة: أتدرون من الأقوى إيمانا؟ قالوا أنت يا رسول الله. قال لا، إني أرى جبريل كل يوم وأرى آيات الله كل حين وآن. قال الصحابة: أفنحن؟ قال: لا، أنتم أيضا ترون آيات الله. ثم قال النبي – صلى الله عليه وسلم :- الذين سيأتون بعدي بمئات السنين إيمانهم عجيب لأنهم لا يرون آيات كما ترونها أنتم ومع ذلك يؤمنون بالله.1فباختصار، لو مات المتقي وهو في المرحلة الابتدائية أدخله الله تعالى في هذه الفئة وسجل اسمه في هذا السجل مع أنه لا يعرف مكالمات الله ومخاطباته ولم يجد نصيبا من تلك اللذة والمتعة أيضا، ولكنه مع ذلك يُري قوة فلا يؤمن بالله تعالى فحسب بل يثبت إيمانه بعمله أيضا أي “يقيمون الصلاة.” في حالة التقوى أيضا تخالج الوساوس أثناء الصلاة وتنشأ أصناف الأوهام والشكوك وتشتت الأفكار ولكنهم مع ذلك لا يتركون الصلاة ولا يكلّون ولا يملّون. وهناك آخرون يصلون الصلاة لبضعة أيام ثم تنتابهم الظنون الفاسدة والأفكار المشتتة فيتركون الصلاة ويجلسون متعَبين. ولكن المتقي لا يعرف الكلل والملل بل يقيم الصلاة. إن الصلاة تسقط مرة بعد أخرى وهو يقيمها كذلك. في مرحلة التقوى يأتي على المتقي زمنان، زمن الابتلاء وزمن الاصطفاء. يأتي وقت الابتلاء لتعرفوا قدركم ومنزلتكم وقدرتكم وليتبين من الذي يؤمن بالله إيمان الصادقين. لذا أحيانا تُحرجه الأوهام والشكوك وأحيانا أخرى تتولد في قلبه اعتراضات وأوهام عن وجود الله تعالى. يجب على المؤمن الصادق ألا يخاف في هذا المقام بل عليه أن يتقدم إلى الأمام دائما…..

لا يرضى الشيطان الخبيث ما لم يجعل المرء ينكر وجود الله تعالى ورسالة النبي – صلى الله عليه وسلم .- يلقي في القلوب وسوسة تلو وسوسة، ويهلك مئات آلاف الناس بل عشرات الملايين منهم بهذه الوساوس إذ يقولون: لنفعل الآن ولسوف نرى فيما بعد مع أن الإنسان لا يدري هل سيتنفس في اللحظة التالية أم لا ولكن الشيطان يشجعه ويعطيه آمالا كبيرة ووعودا معسولة. هذا أول درس يعلّمه الشيطان. ولكن المؤمن يكون شجاعا ويُعطَى شجاعة فيقاوم كل وسوسة لذا فقد قال تعالى: “يقيمون الصلاة” أي أنهم لا يملّون في هذه المرحلة ولا يتعبون. وإن عدم تولّد الأنس والذوق والشوق لا يثّبط من همتهم، بل يستمرون في أداء الصلاة في هذه الحالة من عدم الذوق والمتعة إلى أن تتلاشى كل الوساوس والأوهام. يُهزم الشيطانُ وينتصر المؤمنُ. فخلاصة الكلام أن مرحلة “المتقي” هذه ليست مرحلة التهاون بل زمن الثبوت في الميدان لذا عليه أن يقاوم الوساوس بكل شجاعة. (المصدر: جريدة الحكم، بتاريخ 17-2-1901م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

التقوى … تقتضي شيئا من التكلُّف لذلك قال تعالى: {هُدًى للمتقين الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.} الإيمان بالغيب مقابل المشاهدة يقتضي شيئا من التكلُّف. فالمتقي بحاجة إلى التكلف نوعا ما لأنه عندما ينال درجة الصالح لا يبقى الغيب له غيبا لأن قناة تتدفق من باطن الصالح وتصل إلى الله تعالى فيرى اَلله وحبه بأم عينيه لأنه يتبين من: {مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} أن الإنسان لن يرى ما لم يحصل على النور في هذه الدنيا كاملا. فمهمة المتقي أنه يُعِدّ دائما الكحل الذي يزول به مرض ماء العين كليا من حيث الروحانية. يتضح من هنا أن المتقي يكون أعمى في البداية ثم ينال النور نتيجة التزكية والمساعي المختلفة. وعندما يصبح بصيرا وصالحا لا يبقى الإيمان بالغيب وينتهي التكلُّف أيضا. لقد أُري النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – رأي العين في هذا العالم الجنة والجحيم وغيرهما؛ فما يؤمن به المؤمن بالغيب قد شاهده النبيُّ – صلى الله عليه وسلم .- ففي هذه الآية إشارة إلى أن المتقي يكون أعمى ويعاني من حالة التكلف ولكن الصالح يدخل دار الأمان وتصبح نفسه مطمئنة. المتقي يكون في حالة الإيمان بالغيب ويسلك الطريق كالعميان دون أن يدرك شيئا بل يكون إيمانه بكل شيء بالغيب، وهذه هي علامة صدقه. ومقابل صدقه هذا يعد الله تعالى أنه سينال الفلاح: “أولئك هم المفلحون.” بعد ذلك جاء بحق المتقي: “ويقيمون الصلاة.” لقد استُخدمت هنا كلمة “يقيمون” وفيها أيضا إشارة إلى التكلُّف الذي هو ميزة المتقي بمعنى أنه عندما يبدأ بالصلاة يقاوم أصناف الوساوس التي بسببها تكاد الصلاة تسقط مرة بعد أخرى وعليه أن يقيمهما. عندما يكبّر اَلله تغزو قلبه وساوسُ كثيرة وتشتت خشوع قلبه فيصل المصلي إلى أبعاد شاسعة ويضطرب ويحارب بكل ما في وسعه لجمع شمل الخضوع والخشوع ويحاول جهد المستطيع لإقامة الصلاة التي تسقط مرة بعد أخرى. ويكثر من الدعاء: “إياك نعبد وإياك نستعين”، ويطلب الصراط المستقيم الذي بسببه تستقيم صلاته. وبحذاء هذه الوساوس يتضرع المتقي أمام الله تعالى كالطفل ويبكي ويقول بأني في طور: {أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ}.(الأعراف:176) فهذه هي الحرب التي يجب أن يحاربها المتقي مع نفسه أثناء الصلاة، وعليها سوف يترتب الثواب. يقول البعض أنه يجب أن تزول الوساوس سريعا مع أن الهدف من “ويقيمون الصلاة” هو غير ذلك، أليس الله بعليم بهذه الأمور؟ يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله إن الثواب يبقى قائما ما دامت المجاهدات جارية، كلما انتهت المجاهدات سقط الثواب. وكأن الصوم والصلاة تُعَدّ أعمالا ما دامت مقاومة الوساوس جارية بالجهد والسعي. وعندما تنصبع بصبغة الدرجة العليا ويتخلص صاحبها من تكلُّف التقوى وينصبغ بصبغة الصلاح لم تعد صلاته أو صومه أعمالا. وفي هذا المقام طرَح بنفسه سؤالا: هل يُعفى من الصلاة في هذه المرحلة لأن الثواب يترتب على مرحلة يواجه المرء فيها شيئا من المشقة؟ فالحق أن الصلاة في هذه الحالة لا تبقى صلاة بل تصبح إنعاما. إن هذه الصلاة تكون بمنزلة طعام له، لذلك جاء بحقها: “قرة العين” وكأنها جنة حاضرة. ومقابلهم هناك أناس في حالة المجاهدات وكأنهم في صراع، أما هذا فقد نال النجاة. فمعنى ذلك أنه عندما انتهى سلوك الإنسان انتهت مصائبه أيضا. فمثلا لو قال مخنَّث أنه لا يرفع نظره إلى امرأة قط فأية نعمة أو ثواب يستحقه؟ لأنه ليست لديه قوة تدفع على سوء النظر. ولكن لو فعل ذلك شخص صاحب رجولة فهو يستحق الثواب. كذلك يضطر الإنسان لعبور آلاف المقامات، ففي بعضها تجعله براعته قادرا عليها ويتصالح مع النفس وكأنه صار في الجنة ولكنه لن ينال ثوابا كما سبق لأنه قام بتجارة والآن يجني ربحها. عندما يواظب الإنسان على عمل معين تكلفا تتعود عليه طبيعته. والذي يحظى بحالة طبعية لا يمكن صرفه عن ذلك العمل ولا ينقطع عنه بطبيعته. إذًا، لا ينكشف الأمر تماما في مرحلة الاتقاء والتقوى بل هو نوع من الادعاء فقط. ثم ورد بحق المتقي: “ومما رزقناهم ينفقون.” هنا استُخدمت كلمة “مما” بحقه لأنه ما زال في حالة العمى، لذا كل ما رزقه الله تعالى فقد أنفق منه في سبيل الله. ولكن الحق أنه لو كان يملك عينا بصيرة لرأى أنه ليس له شيء قط بل كله لله تعالى. فكان ذلك نوع من الحجاب وهو ضروري في حالة الاتقاء. فإن الاتقاء يدفع المتقي أن ينفق شيئا مما رزقه الله. سأل النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – عائشةَ رضي الله عنها في أيام حياته الأخير: هل في البيت شيء؟ فعلم أن هناك دينارا في البيت. فقال: إنه لمما يعارض مقتضى الوحدة أن يُبقي المرء شيئا في البيت. كان النبي – صلى الله عليه وسلم – تجاوز مرحلة الاتقاء وبلغ مرتبة الصلاح لذا لم ترد كلمة “مما” بحقه لأن الذي يُبقي عنده شيئا ويعطى الله شيئا هو أعمى، ولكن تلك هي صفة المتقي لأن في الإنفاق في سبيل الله أيضا نوع حرب مع النفس ونتيجتها توفير شيء وإنفاق شيء، ولكن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنفق كل شيء في سبيل الله ولم يُبق لنفسه شيئا. كما ذُكرت في مقال “دهرم مهوتسو” ثلاث حالات للإنسان التي تطرأ عليه من البداية إلى النهاية، كذلك القرآن الكريم الذي جاء ليساعد الإنسان على عبور مراحل التقدم كلها أيضا استُهِلّ بذكر التقوى. وهذا طريق تكلُّفٍ ومجالٌ خطير. ففي يده سيف ومقابله أيضا سيف فلو أنقذ نفسه من الهلاك فقد نجا وإلا لسقط في أسفل السافلين. فلم يقل الله تعالى في ذكر صفات المؤمنين بأنهم ينفقون كل ما رزقناهم لأن المتقي لا يملك قوة إيمانية – كالتي كان يملكها النبي – حتى ينفق في سبيله كل ما زرقه الله تعالى كما أنفق هادينا الكامل – صلى الله عليه وسلم .- لذلك فرض الله على المتقي ضريبة بسيطة في البداية ليتذوق طعمها بداية ليستعد لإنفاق المزيد. ليس المراد من الرزق المال فقط بل كل ما أُعطيه المرء من العلم والحكمة وعلم الطب كله مشمول في الرزق فيجب الإنفاق من كل ذلك. الإنسان يتقدم في هذا السبيل وخطوة خطوة. ولو كان هناك تعليم مثل الإنجيل أنه لو لطمكم أحد على خدّ فأديروا له الخد الآخر، أو تعليم إنفاق كل شيء لحرم المسلمون أيضا مثل المسيحيين من الثواب لاستحالة العمل بالتعليم. ولكن القرآن يوجه إلى التقدم رويدا رويدا بحسب مقتضى فطرة الإنسان. إن مَثل الإنجيل كمثل طفل يُكرَه على قراءة كتاب صعب جدا فور دخوله المدرسة. إن الله حكيم وكان من مقتضى حكمته أن يُكمّل التعليم تدريجا. (خطبة الجلسة السنوية عام 1897)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

غاية القرآن الكريم المتوخاة هي تعليم العالمِ التقوى التي بواسطتها يمكنه أن ينال الهدف من الهداية. ففي هذه الآية بين الله تعالى مراتب التقوى الثلاث: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.} إن الناس يتلون القرآن الكريم ولكن كالببغاء دون أن يتدبروه. كما يقرأ البانديت الهندوسي كتابه بسرعة دون أن يفهم هو أو المستمعون منه شيئًا، أصبح الناس يتلون القرآن هكذا، حيث يقرأون بضعة أجزاء منه ولا يدرون ماذا قرأوا. غاية ما يهتمون به هو القراءة بصوت جميل وإتقان النطق بحرف القاف والعين. لا شك أن تلاوة القرآن بشكل صحيح وبصوت حسنٍ أمرٌ محمود، ولكن الهدف الحقيقي من تلاوته هو أن يطّلع المرء على معارفه ويُحدِث في نفسه تغييرًا طيبًا. تَذكّروا أن في القرآن الكريم فلسفة حقة رائعة ومحيرة، وفيه نظام لا يتنبهون له. لا تتحقق أهداف تلاوة القرآن الكريم بدون مراعاة هذا النظام والترتيب الموجودَين فيه. فخلاصة الكلام أنه لا بد من مراعاة الترتيب في القرآن الكريم، والآيات التي قرأتها قبل قليل لوحظ الترتيب فيها أيضا {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ  } (المصدر: جريدة الحَكَم ، بتاريخ 31-3-1903م)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}، الثواب يترتب على الإيمان حين يقرُّ المرء – نظرا إلى بعض القرائن – ببعض الأشياء التي تكون خافية. وقد ذكر الله جلّ شأنه صفة المؤمنين في القرآن الكريم بأنهم “يؤمنون بالغيب.” أي أنهم يؤمنون ببعض الأمور التي تكون في الغيب. لقد آمن الصحابة – رضي الله عنهم – بسيدنا ومولانا – صلى الله عليه وسلم – دون أن يطلبوا منه آية أو دليلا، ومع أن الآيات ظلت تمطر بعد ذلك في وقتها المناسب كالمطر الغزير وظهرت المعجزات ولكن الصحابة لم يحتاجوا إليها من أجل الإيمان. ولو حصروا الإيمان في رؤية المعجزات لما ثبت صلاحهم قيد ذرة، ولعُدُّوا من عامة الناس ولما دخلوا في عباد الله الأحباء لأن الذين طلبوا آية عاتبهم الله ولم تكن عاقبتهم حسنة بل مات معظمهم في حالة عدم الإيمان. فباختصار، يتبين من جميع كتب الله أن طلب الآية لم يكن عملا مباركا لأي قوم قط بل كلّ من طلب الآية هلك. يقول المسيح – عليه السلام – أيضا في الإنجيل: “جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلَا تُعْطَى لَهُ آيَةٌ.” قلت من قبل أيضا إنه سينشأ هنا بالطبع سؤال في ذهن كل شخص بأنه كيف يمكن للإنسان أن يميز بين الحق والباطل بغير آية؟ وإذا قبِل أحدٌ على أنه من عند الله بغير رؤية آية، فيمكن أن يخطئ في ذلك. فجوابه كما قلت من قبل بأن الله تعالى قد جعل الثواب مشروطا في أغلب الأحيان بأن يكون الإيمان قبل رؤية الآية. ويكفي للتمييز بين الحق والباطل أن تكون في اليد بعض القرائن التي تفيد التصديق، وأن تكون كفة التصديق أرجح من كفة التكذيب. فمثلا آمن الصديق الأكبر، أبو بكر – رضي الله عنه -، بالنبي دون أن يطلب معجزة. وحين سُئل: كيف آمنتَ؟ قال: إن كون محمد – صلى الله عليه وسلم – أمينا واضح عليّ، وإنني موقن بأنه لم يكذب على أحد من الناس قط دع عنك أن يكذب على الله. كذلك رأى كل صحابيٍّ بحسب ذوقه فضائل أخلاقية أو علمية في النبيّ – صلى الله عليه وسلم – وعدّها سببا لصدقه بنظرته الدقيقة فآمن به – صلى الله عليه وسلم -، ولم يطلب أحدٌ منهم آية. فقد كفاهم للتمييز بين الحق والباطل أنه – صلى الله عليه وسلم – يحتل أعلى مراتب التقوى ويحظى بالشجاعة والاستقامة في سبيل بيان منصبه. والتعليم الذي جاء به أصفى وأطهر وهو نور متجسد مقارنة مع التعاليم الأخرى كلها. ولا نظير له – صلى الله عليه وسلم – في الأخلاق الحميدة، وهو يحتل درجة عليا من الحماس في سبيل الله، والصدقُ يتجلّى في وجهه. فبالنظر إلى هذه الأمور تيقنوا أنه من الله تعالى في الحقيقة. لا يظنّن أحد هنا أنه لم تظهر على يد النبي – صلى الله عليه وسلم – معجزات، بل الحق أنها ظهرت على يده أكثر من أي نبيّ آخر. ولكن من سنة الله أن المعجزات والآيات البيّنة تبقى خافية في البداية للتمييز بين صدق الصادقين وكذب الكاذبين. هذا الزمن يمثّل زمن الابتلاء إذ لا تظهر فيه آية بصورة بينة. ثم حين تؤمن فئة من أصحاب القلوب النزيهة بسبب نظرهم الدقيق ولا يتخلّف إلا العوام كالأنعام، عندها تظهر الآيات إما لإتمام الحجة عليهم أو لإنزال العذاب. ولكن لا يستفيد منها إلا الذين آمنوا من قبل. وقليل ما هم الذين يؤمنون فيما بعد لأن قلوبهم تصبح قاسية نتيجة تكذيبهم كل يوم. ولا يريدون أن يغيروا آراءهم التي أذاعوها. فيصلون جهنم في نهاية المطاف على الكفر والإنكار. إن أمنيتي القلبية، وأدعو الله تعالى أن تفهموا ذلك، أنه لا بد في مفهوم الإيمان الحقيقي أن يؤمن المرء بالأمور الخافية. وعندما تنكشف حقيقة الشيء بكل جلاء أو يتبين الجزء الأكبر منه فإن قبوله لا يدخل في الإيمان. فمثلا إن الوقت الآن هو وقت النهار، فلو قلتُ مثلا بأني أؤمن بأن الوقت الآن هو نهار وليس ليلًا فأية ميزة في إيماني هذا؟ وأيّ أفضلية يمكن أن تتحقق لي على الآخرين بسببه. إن أول علامة للسعيد هي أن يفهم هذا الأمر المبارك أي ما هو المراد من الإيمان؟ لأن جميع الناس الذين ظلوا يعارضون الأنبياء منذ بدء الخليقة كانت على عقولهم غشاوة أنهم لم يدركوا حقيقة الإيمان وزعموا أنه ليس من المناسب أن يؤمنوا ما لم تنكشف نبوة الأنبياء وتعليمهم مثل بقية الأمور المشهودة والمحسوسة. ولكن هؤلاء الحمقى لم يفكروا بأنه لا يدخل الإقرار بالأمر البين والواضح في الإيمان لأن ذلك يكون علمًا مثل الأرقام والرياضيات وليس إيمانا. فبسبب هذه الغشاوة حرم أبو جهل وأبو لهب وغيرهما من الإيمان في بداية الأمر، ثم حين ثبتوا على التكذيب وأصروا على الآراء المخالفة مع أن آيات صدق النبي – صلى الله عليه وسلم – البينات ظهرت حينئذ ولكنهم قالوا بأن الموت أهون من الإيمان الآن. فباختصار، إن معرفة صدق الصادق بنظرة دقيقة إنما هو فعل السعداء. أما طلب الآيات فهو طريق نحس ومن شيمة الأشقياء التي بسببها صار عشرات ملايين الناس حطب جهنم. إن الله تعالى لا يغيّر سنّته، ولا يعدُّ الإيمان – كما قال – إلا إيمان الذين لا يتعنّتون، ويقبلون الصادق حين يرون القرائن المرجّحة ويجدون علامات الصدق. وإن كلام الصادق واستقامته ووجهه بحد ذاته يشهد على صدقه بحسب رأيهم. فطوبى للذين يُعطَون فطنة لمعرفة الناس. (المصدر: كتاب مرآة كمالات الإسلام)

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

 اعلموا أن الاتقاء ثلاثة أقسام. القسم الأول هو الاتقاء العلمي وهذا الحالة تظهر للعيان في حالة الإيمان. والقسم الثاني هو الاتقاء العملي كما قال في: “يقيمون الصلاة.” إن صلوات الإنسان التي هي في حالة الشبهات والوساوس لا تقوم، ولم يقل الله: يقرأون الصلاة بل قال: “يقيمون الصلاة” أي أدُّوها بكل شروطها. لكل شيء غايته المتوخاة وإن لم يَفِ بها المرء يصبح دون جدوى. فمثلا إذا اشتُري ثورٌ للحراثة عُدَّ جديرا بمنصبه ما دام يفيد للعمل المطلوب منه دون أن يقتصر على الأكل والشرب. وإذا اقتصر على الأكل والشرب فقط فشل في تحقيق الغاية المتوخاة منه وسيكون جديرا بالذبح. كذلك المراد من “يقيمون الصلاة” هو مستلزمات الصلاة. وفي هذه المرحلة تبدأ العلاقة بالله تعالى ويتلقى الإنسان الكشوف والرؤى الصالحة وينقطع عن الناس وتبدأ العلاقة بالله تعالى إلى أن يصل إلى الله تعالى نتيجة التبتل التام. “الصلى” يعني أنه كما يُشوى الكباب كذلك لا بد من الحرقة في الصلاة أيضا، فما لم يحترق القلب لا تنشأ المتعة واللذة في الصلاة، والحق أن الصلاة لا تكون صلاة بمعناها الحقيقي ما لم تتولد فيها هذه الحالة وما لم تُصلّى بجميع شروطها. اعلموا أن اجتماع الحال والقال كِليهما ضروري في الصلاة. في بعض الأحيان يكون الإعلام صوريا أي تُرى صورةٌ يعرف الناظر إليها المقصود منها، كذلك الصلاة هي صورة مشيئة الله تعالى. وبقراءة الكلمات في الصلاة تقوم الأعضاء والجوارح بالحركات؛ فحين يقوم الإنسان ويحمد ويسبّح يسمَّى ذلك قياما. الكل يعرف أن القيام هو الأنسب للحمد والثناء. حين تُنشد القصائد أمام الملوك يُنشدها الناس قياما. فمن ناحية فُرض القيام من حيث الظاهر ومن ناحية ثانية فُرض الحمد والثناء باللسان. والمراد من ذلك أن يقوم المرء أمام الله تعالى روحانيا أيضا. يحمد المرء بعد ثبوته على أمر. والذي يحمد أحدا بعد تصديقه يكون ثابتا على الرأي. إذًا، فقد صار ضروريا للقول: “الحمد لله” أنه لا يستطيع أن يقول ذلك بصدق القلب إلا إذا كان متيقّنا أن المحامد كلها له وحده. وإذا انشرح له القلب كان ذلك قياما روحانيا لأن القلب يقوم على ذلك ويُفهَم أنه قائم بحسب الحال ليحظى بالقيام الروحاني. ثم يقول في الركوع: “سبحان ربي العظيم.” من المعروف أنه عندما يعترف المرء بعظمة أحد يخضع أمامه لأن من مقتضى العظمة الركوعُ لها. فيقول باللسان: “سبحان ربي العظيم” ويخضع عمليا. بعد إظهار الحال السابق يأتي القول الثالث أي: “سبحان ربي الأعلى.” المعلوم أن صيغة “الأعلى” صيغة التفضيل، ويقتضي السجود بالذات لذا يخر معه في السجود بصورة عملية ويختار فورا حالة تناسب هذا الإقرار … وهناك شيء ثالث، وإن لم يحظ به المرء لا تصلح الصلاة. ما هو ذلك الشيء؟ هو القلبُ. ومن الضروري أن يقوم القلب أيضا وأن يراه الله أنه يحمده في الحقيقة ويقوم أيضا. كذلك الروح أيضا تحمد وتقوم، أي لا يقوم الجسم فقط بل تقوم الروح أيضا. وعندما يقول “سبحان ربي العظيم” فليرى أنه لم يكتف بإقرار العظمة فقط بل خضع علميا وخضعت معه الروح أيضا. ………..

 

الرزق يشمل الحكومة أيضا وكذلك الأخلاق الفاضلة. فيقول الله تعالى هنا: “مما رزقناهم ينفقون”، أي ينفقون الطعام من الطعام الموجود عندهم والأخلاقَ من أخلاقهم، أما إنفاق العلم فهو واضح. اعلموا أنه ليس البخيل الذي لا يعطي صاحب الحق شيئا مما رزقه الله بل الذي يتردد في تعليم الناس مما علّمه هو أيضا بخيل. إن حرمان المرء أحدا من علمه وفنّه ظنا منه أنه لو علم بهما غيره لحطّ ذلك من شأنه أو دخله لهو شركٌ؛ لأنه في هذا الحال يرى علمه أو فنه رازقه وإلهه. كذلك الذي لا يعامل الناس بحسن الأخلاق بخيل أيضا. المراد من إراءة الأخلاق هو أن عليه أن يعامل خلق الله بالأخلاق الفاضلة التي وهبه الله تعالى بفضله المحض لأن الناس سيحاولون خلق الأخلاق نفسها في أنفسهم متأسين بأسوته. ليس المراد من الأخلاق فقط أن يستخدم لسانا لينا وكلمات لينة بل إن استخدام كل ما أعطاه الله من القوى مثل الشجاعة والحلم والعفة وغيرها في محلها يُدخلها في دائرة الأخلاق. والغضب في محله المناسب أيضا من الأخلاق، وليس كتعليم الإنجيل الذي يركز على جانب واحد فقط ويقول بأنه لو ضربكم أحد على خدّ فأديروا له الخدَّ الآخر. هذا ليس خُلقا ولا يمكن اعتبار هذا التعليم مؤسسا على أصول الحكمة. وإذا كان الحال على هذا المنوال فإن ذلك يستلزم إلغاء الجيوش كلها وتدمير أسلحة الحرب وسيضطر العالم المسيحي أن يعيش كالخدام لأنه إذا طلب أحد منهم قميصا يضطرون لإعطائه المعطف أيضا. وإذا طلب أحد من مسيحي أن يمشي معه كخادم إلى ميل فهو مأمور بأن يرافقه إلى ميلينِ. وسيواجه المسيحيون مشاكل جمّة نتيجة العمل بهذا التعليم إذ لن يبقى عندهم شيء من حاجات الحياة ولا سببا للراحة إذ لو سأل الناسُ كل ما عندهم فلن يبقى لديهم شيء. وإذا أرادوا الكسب بعرق الجبين يمكن أن يأمرهم الآخرون بخدمتهم فقط. فباختصار، لقد رُكز على هذا التعليم كثيرا، وقد رأيت أن القساوسة يمدحون هذا التعليم بشدة متناهية ويروجونه في الأسواق والأزقة، ولو سُئلوا عن كيفية العمل به نجدهم لا يعملون به وكأن كل شيء يتوقف على الكلام فقط دون العمل. لذا هذا ليس من الأخلاق في شيء بل المراد من الأخلاق أن يستخدم المرء كل القوى التي أعطاه الله تعالى في محلها المناسب. فمثلا أُعطي الإنسان عقلا وإذا كان غيره الذي ليس لديه إلمام في أمر معين بحاجة إلى استشارته في ذلك لكونه مطّلعا على ذلك الأمر المعين جيدا فمن مقتضى الأخلاق أن يساعده بعقله السليم في ذلك بكل معنى الكلمة ويعطيه مشورة صائبة تماما. إن الناس يرون هذه الأمور بنظرة عابرة ويقولون دعوه يفسد فماذا يضرنا ذلك. ولكن هذا عمل الشيطان وبعيد عن مقتضى الإنسانية أن يرى الإنسان أحدا يفسد ولا يساعده. كلا، بل عليه أن يسمع له بمواساة قلبية وانتباه جيد ويساعده بقدر ما أُعطي من العقل والفهم. وإذا اعترض هنا أحد بأنه لماذا قيل هنا: “مما رزقناهم” – لأن “مما” تنم عن البخل – بل كان من المفروض أن يقال: انفقوا في سبيله كل ما تملكونه. فالحق أن هذا لا ينم عن البخل. القرآن الكريم كتاب الله الحكيم، والحكمة تعني وضع الشيء في محله. وقد أشير في “مما رزقناهم” إلى أن تنفقوا بحسب مقتضى الحكمة. إذا اقتضت الحكمة إنفاقا قليلا فانفقوا قليلا وإذا اقتضت إنفاقا أكثر فانفقوا أكثر. فمثلا العفو أيضا قوة أخلاقية ولكن يجب الانتباه: هل المجرم يستحق العفو أم لا؟ المجرمون قسمان، منهم من يصدر منه عمل يثير الغضب ولكنه يستحق العفو، ومنهم من إذا عُفي عنه على عمل غير لائق وغُضَّ عنه الطرف لتشجع أكثر وتسبب في ضرر أكبر. فمثلا هناك خادم صالح ومطيع جدا أتى بالشاي وتعثّر صدفة وسقط الشاي على سيده وانكسر الفنجان. فلو استعد السيد لضربه استشاط عليه غيظا وغضبا فكان ذلك سفاهة منه لأن هذا مقام العفو لأن الخادم لم يفعل ذلك عمدا وكان من شأن العفو عنه أن يُخجله أكثر ويدفعه للحذر أكثر في المستقبل. ولكن إذا كان هناك خادم شرير يكسر الفنجان ويلحق الأضرار كل يوم فمن مقتضى الرحم عليه أن يعاقَب. فهذه هي الحكمة في “مما رزقناهم ينفقون.” كل مؤمن مجتهد في حد ذاته فليراع الحكمة ولينفق بحسبما هو مناسب. لقد قلت آنفا إن تعليم القرآن مبني على نظام حكيم، وإذا رأيتم كم أن تعليم الإنجيل مقابله مثير للاعتراض؛ إذ يقول بأن أديروا الخد الثاني إذا ضربكم أحد على خدكم وما شابه ذلك! لا يمكن ستره ولا يمكن العمل به بأي حال لدرجة لا يمكن لقسيس أيضا مهما كان ليّن الطبع وقديسا أن يعمل به. ولو لطم أحد خد قسيس بُغية اختبار هذا التعليم الإنجيلي عمليا فلسوف يسلِّمه القسيس إلى الشرطة بدلا من أن يدير له خده الآخر. فيتبين من ذلك أن الإنجيل معطّل عن العمل بينما العمل بالقرآن الكريم متواصل. فالمرأة العجوز والفقيرة التي لا تملك إلا كسرة خبز شعير تستطيع أن تعمل بـ “مما رزقناهم” بإنفاق جزء من تلك الكسرة. أما تعليم الإنجيل بإدارة خد فلا يمكن أن يعمل به حتى قسيس مقدس. فانظر إلى هذا الفرق الهائل بين الاثنين. يثبت الإنجيل ساقطا من هذا الجانب إلى حد أن المسيح نفسه لم يستطع العمل به بالكامل، وأثبت أن التعليم الذي قدّمه لا يتعدى الكلام فقط، وإلا لكان من واجبه أن يسلّم نفسه للأعداء قبل أن يقبضوا عليه. ولم تكن هناك حاجة للأدعية والاضطراب أصلا. فلو فعل ذلك لثبت أنه يفعل أيضا ما يقول، وثبت كذلك أنه كان قد جاء للكفارة فعلا لأنه إذا كان الهدف من حياته أن ينجي العالم بانتحاره، وبحسب قول المسيحيين لا يمكن للإله أن ينجي أحدا بدون ذلك، كان واجبا عليه فور مجيئه – دون أن يلجأ إلى الدعوة والتبليغ – أن يقول اقبضوا علي واصلبوني لتنجو الدنيا لأنه كان قد أُرسل لهذا الغرض فقط. (المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 10-4-1901م).

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

فخلاصة الكلام أن تعليم القرآن الكريم يُثبت أن الله حكيم ويعلم كل صغيرة وكبيرة، وقد أعطى تعليما يُكمل القوى الإنسانية ولن تجدوا تعليما أفضل منه لاستخدام العفو والانتقام في محلهما المناسب. وإذا قدم أحد تعليما يخالفه فكأنه يزمع إلى تشتيت قانون الله الجاري في الطبيعة. هناك بعض الطبائع التي تقتضي العفو وبعضها تستحق المعاقبة. وعمل المحاكم كلها يمكن أن يبقى جاريا نتيجة العمل بتعليم القرآن الكريم وحده، ولو عملتْ بحسب تعليم الإنجيل لاضطرت لتغلق أبوابها فورا. ثم انظروا ما هي النتيجة النهائية؟ الإنسان لا يستطيع العمل بتعليم الإنجيل. هذان نموذجان للتقوى العلمية والعملية. وإضافة إليهما هناك قسم ثالث للتقوى وهو: “ويؤمنون بما أُنزل إليك.” الإنسان محتاج لقوة الشهادة فلا يسلكنّ مسلكا بعيدا عن الشهادات المقدسة. المسلك الذي لا توجد فيه شهادات الصالحين يمثّل خطرا حقيقيا. إن سبيل التقوى هو ذلك الذي توجد فيه شهادات قوية وحية في كل زمان. فمثلا إذا سأل أحد غيرَه طريقا فقال له بأنه يهدي إلى مكان كذا، بينما يقول عشرة آخرون: لا، بل هو يؤدي إلى مكان آخر. فمن مقتضى التقوى أن تُقبل شهادة هؤلاء العشرة. اعلموا أن الشهادة المقبولة والصالحة هي شهادة الصالحين فقط ولا تُقبل شهادة الأشرار قط. وقد ذُكر القسم الثالث من التقوى في الآية: “يؤمنون بما أُنزل إليك”، ويعاني الناس كثيرا بتركهم إياه. والذين يعارضونني سببه عائد إلى أنهم تركوا هذا القسم من التقوى. (المصدر: جريدة الحَكَم،  بتاريخ 17-4-1901م).

وقال الامام ميرزا غلام أحمد القادياني   :

المراد من التقوى هو أنه إذا رأى المرء أنه واقع في الذنب فليدع الله ويتخذ الأسباب أيضا وإلا لكان جاهلا. يقول الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اَلله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} (الطَّلَاق: 2 3)، أي أن الذي يسلك مسلك التقوى يُوجد الله تعالى له سبيل النجاة من كل صعوبة وضيق. المتقي في الحقيقة هو الذي يدعو ويتخذ الأسباب بقدر ما كان في وسعه وقدرته كما يقول الله تعالى في مستهل القرآن الكريم: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ }  (المصدر: جريدة البدر، بتاريخ 24-12-1903م)

E-mail
Password
Confirm Password