قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
من الثابت المتحقق أن الله القادر على كل شيء لم يجعل الحوادث في العالم محصورة ومحدودة على هذه السلسلة الظاهرية فقط بل أجرى إلى جانبها سلسلة باطنية أيضا. خذوا مثلا الشمس والقمر أو الأرض أو بخار الماء الذي ينزل مطرا أو العواصف العاتية أو البَرَد التي تنزل على الأرض أو الشهب الثاقبة التي تسقط، فمع أن كل هذه الأشياء مصحوبة في أعمالها وتغيُّراتها وتحوُّلاتها وحدوثها بالأسباب الظاهرية أيضا التي تملأ دفاتر علماء الأفلاك والطبيعة، ولكن مع كل ذلك يعرف العارفون أن هناك أسبابا أخرى تحت هذه الأسباب وهي التي تدير الأمور، وتُسمَّى بتعبير آخر: “الملائكة” الذين إذا كانوا على علاقة مع شيء يوصلون أموره إلى منتهاها. وينتبهون دائما في أمورهم إلى الأهداف الروحانية التي كلّفهم الله بها. لا تكون أعمالهم لاغية بل يهدفون في كل أمر إلى أهداف سامية وعظيمة …
لقد وضع الله الحكيم القدير نظامينِ اثنين لإدارة شئون العالم على أحسن وجه. والنظام الباطني منهما يتعلق بالملائكة. ليست هناك جزئية من النظام الظاهري لا يرافقها النظام الباطني في الخفاء. … إن حركات هذا العالم وحوادثها ليست من تلقاء نفسها، وليست بغير مشيئة المالك وليست عبثية وسخيفة بل إن الأجرام العلوية مسخّرة من قبل الله في الخفاء كمدبرة للأجسام السفلية وتسمَّى الملائكة بتعبير آخر. وما دام أحد ملتزما بالإيمان بوجود الله تعالى وليس ملحدا لا يسعه إلا أن يقبل بأن كل هذا النظام ليس عبثا بل في كل حدوث وظهور تعمل يد حكمة الله والمصلحة المدبَّرة بالإرادة. وتلك الإرادة تظهر بحسب النظام المتكامل بواسطة الأسباب لأن الله تعالى لم يهب الأجرام والأجسام المادية شعورا لذا هناك حاجة للأشياء التي أُعطيت علما وشعورا – وهي الملائكة – لإنجاز الأمور التي إنجازُها يقتضي العلم والشعور. (مرآة كمالات الإسلام، الحاشية)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
إن السبيل الأسهل والأقرب للاعتراف بوجود الملائكة هو أن نوجّه عقولنا إلى أنه من المحتوم والمحسوم أن الله تعالى قد وضع -من أجل تربية أجسامنا وتكميلها الظاهري ولتصدر من حواسنا الظاهرية أفعال مطلوبة كما ينبغي- قانونا في الطبيعة أن سخّر العناصر والشمس والقمر والنجوم للخدمة على مساعدة أجسامنا وقوانا لتصدر منها جُلّ أعمالها بوجه أحسن. ولا نستطيع أن نهرب من قبول الحقائق أن عيننا على سبيل المثال لا تستطيع أن تُنجز أيّ شيء بنورها الذاتي ما لم يرافقها ضوء الشمس. ولا يمكن لآذاننا أن تسمع شيئا بقوتها الذاتية ما لم يُعِنها الهواء المحمَّل بالصوت. أفلا يثبت من ذلك أن قانون الله تعالى قد وضع تكميل قوانا في الأسباب الخارجية. ولا يسع فطرتنا أن تستغني عن مساعدة تلك الأسباب الخارجية. ولو تأملتم في الموضوع لوجدتم أننا لا نحتاج إلى أمر أو أمرين فقط بل نحتاج إلى مساعدات خارجية لتكميل كافة حواسنا وجميع قوانا وجُلّ قدراتنا. فإذا كان هذا القانون والنظام لله الواحد الذي لا شريك له، الذي توجد في كافة أفعاله الوحدةُ والاعتدالُ، موجودا لقوانا وحواسنا الخارجية وأهدافنا المادية بكل شدة وإحكام وكمال والتزام؛ أفليس ضروريا أن يكون هذا النظام نفسه موجودا لتكميلنا الروحاني وأهدافنا الروحانية أيضا لكي يجري كِلا النظامين على نمط واحد ويدلَّا على خالق واحد. ومن البديهي أن الحكيم القدير الذي وضع هذا الأساس للنظام الظاهري وأحبّ أن تكتمل أجسامنا وقوانا وحواسنا تحت تأثير الأجرام السماوية والعناصر وغيرها من الأسباب الخارجية لا بد أن يكون الحكيم القدير نفسه قد استحب النظام نفسه لروحانيتنا أيضا لأنه واحد لا شريك له، وفي حِكمه وأعماله الوحدةُ والاعتدالُ. والدلائل الإنِّيَّة1 أيضا تدل على الأمر نفسه. فالأشياء الخارجية التي تؤثر على روحانيتنا وتُنجز أهدافنا الروحانية كمثل الشمس والقمر والعناصر التي تساعدنا على إنجاز أهدافنا المادية، نسمِّيها الملائكة. فمن هذا البيان يثبت وجود الملائكة بوجه أحسن، وإن لم يُكشَف علينا كنهها، لأنه ليس ضروريا أصلا. ولكننا مضطرون للاعتراف بوجودها بإلقاء النظر مجملا على توافق النواميس الكونية ووحدتها. ولما اعترفنا بالقانون الظاهري بطيب الخاطر فما السبب إذًا ألا نعترف بالقانون الباطني على النمط والمنوال نفسه؟ لا شك أنه لا مندوحة لنا من قبول النظام الباطني أيضا كما قبلنا النظام الظاهري تماما. (المصدر: كتاب مرآة كمالات الإسلام)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
والحق أن الملائكة بمنزلة الروح للنجوم والشمس والقمر والسماء بحسب تعليم القرآن الكريم، وبقاء كل هذه الأشياء يتوقف على علاقتها بالملائكة، وإذا انتقل الملائكة إلى “الأرجاء” أصاب الموتُ جميعَ الأجرام أي النجوم والشمس والقمر والسماء، أفليسوا بمنزلة الروح والحالة هذه؟. إنني أتأسف على حالة هؤلاء المشايخ أنهم يقرأون هذه الآيات القرآنية الواضحة ومع ذلك يترددون في القبول أن الملائكة بل لبعض الملائكة الذين هم عنصريون علاقة قوية مع العناصر والأجرام السماوية كعلاقة الروح مع القوالب. (مرآة كمالات الإسلام، ص 143 – 144)
ص15)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
والحق أن الملائكة بمنزلة الروح للنجوم والشمس والقمر والسماء بحسب تعليم القرآن الكريم، وبقاء كل هذه الأشياء يتوقف على علاقتها بالملائكة، وإذا انتقل الملائكة إلى “الأرجاء” أصاب الموتُ جميعَ الأجرام أي النجوم والشمس والقمر والسماء، أفليسوا بمنزلة الروح والحالة هذه؟. إنني أتأسف على حالة هؤلاء المشايخ أنهم يقرأون هذه الآيات القرآنية الواضحة ومع ذلك يترددون في القبول أن الملائكة بل لبعض الملائكة الذين هم عنصريون علاقة قوية مع العناصر والأجرام السماوية كعلاقة الروح مع القوالب. (المصدر: كتاب مرآة كمالات الإسلام)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
أما الإثبات من حيث المعقول أن كل الأمور الخيّرة التي تحدث في النظام الظاهري إنما تحدث وتصدر بأعمال الملائكة الخفية في الحقيقة، فيتبين عند التدبر أن الله يستخدم كل شيء للعمل الذي أعطاه قوى من أجله. إذًا، فالظن أن كل تغيُّر في الأجرام السماوية وفضاء الكون يظهر للعيان نتيجة الأسباب الطبيعية والخارجية فقط ولا حاجة لسبب روحاني قط فكرة غير معقولة تماما لأنه لو حدثت التغيّرات في الأجرام السماوية أو الحوادث في كائنات الجوّ التي تحتوي على حِكَم عظيمة – وتدعم وتعين بقاء بني آدم وصحتهم وسدّ حاجات حياتهم بشرط ألا يكون فيها إفراط ولا تفريط- من تلقائها دون أن يكون فيها دخلٌ للأشياء التي لديها شعور وتستطيع أن تراعي الإرادة والفهم والمصلحة والاعتدال؛ بل تُركت جُلّ أمور الحياة والبقاء وحاجات الحياة على الأشياء التي لا تشعر ولا تدرك ولا تعرف مصلحة الوقت ولا تستطيع أن تحفظ أفعالها من الإفراط والتفريط ولا تقدر على التمييز بين إنسان صالح وطالح لتُعامل كل منهما معاملة مناسبة بحسب مقتضى الأمر؛ لأظلمت الدنيا ولاستحالت معرفة الخالق الحكيم والقدير والعدل والرحيم والكريم، ولما استمرت سلسلة ذوي الأرواح القاطنة على الأرض لحظةً واحدة بل لواجَه العالم مع لوازمه كلها صدمة نهايته. فأي دليل أوضح وأكثر صراحة من أنه لا يوجد في السلسلة السماوية وكائنات الجوّ أيّ فساد وفوضى كان لا بد أن يحدثان إذا كان مدار هذا النظام على الأشياء التي لا حياة فيها ولا شعور. فإن نور هذا الدليل يهبنا بصيرةً على وجود الملائكة وضرورتهم وكأننا نراهم بأم أعيننا.
وإذا عرض أحد هنا شبهة: لماذا لا يعمل كل شيء دون توسط الملائكة بمجرد أمر من الله وإذنه وبتدبير محكم بحسب ما تقتضيه مشيئة الله جلّ شأنه؟ فإن شبهة مثلها ناتجة في الحقيقة عن سوء الفهم لأننا كتبنا قبل قليل بأنه من الثابت المتحقق أن الأجرام العلوية والعناصر وكائنات الجوّ التي جُعلت خادمة لبقائنا وحياتنا ومعيشتنا لا تملك علما ولا شعورا ولا إرادة. فمن المحال بالبداهة أن تتحقق لنا من تغيّراتها وأحداثها فقط تلك الأعمالُ والأهداف والمقاصد التي لا تصدر إلا عن تصرفات العقل والتعديل والتخطيط ومراعاة الحكمة فقط. والحق أن الله تعالى عندما يريد أن يستخدم شيئا لعمل يزوّده بقوى تناسب جميع المصالح المتعلقة بذلك العمل. فمثلا من أفعاله المطرُ الذي نحتاجه لتحقيق شتى الأغراض، فينزّله تعالى أحيانا في وقت مناسب تماما بحسب أعمال عباده، وينقذ أراضينا وصحتنا من أضرار إفراطه أو تفريطه، وأحيانا أخرى ينوي إنزال التنبيه في الدنيا فيُمسك المطر من بلد يشاؤه، أو يجعل فيه إفراطا أو تفريطا. وتارة يريد أن يعاقب بعض الناس في بلد أو مدينة أو قرية أو قطعة أرض معينة فيحرمها من منفعة المطر كليا. وينشر السحاب في الجوّ بقدر ما يشاء حتى يهطل المطر على مزرعة ولا تسقط قطرة واحدة على مزرعة متصلة بها فتبقى جافة ومحترقة في حر الشمس القوية. كذلك إن فساد الريح يجلب الوباء على مدينة أو إقليم أو حارة معينة، وينقَذ الجانبُ الآخر كليا. فعلى هذا المنوال نرى آلاف الحِكَم الربانية الدقيقة التي لا نستطيع أن ننسبها قط إلى عناصر وأجرام لا تعقل، بل نعرف يقينا أن هذه الأعمال المليئة بالحِكم لا يمكن أن تنجزها قط الأجرام والعناصر وكائنات الجوّ الأخرى التي لا حياة فيها ولا شعور. ولا شك أن الله تعالى قادر على أن يستخدم كل هذه الأشياء لإنجاز الأعمال المذكورة ولكنه لو فعل ذلك لوهب أولا تلك الأشياء فهمًا وإدراكا وإحساسا وشعورا وعقلا لوضع الشيء في محله. وما دام ذلك غير ثابت فثبت بالضرورة أن مع هذه الأشياء هناك في الخفاء أشياء أخرى أُعطِيت عقلا لوضع الشيء في محله وهي الملائكة بعينها. أَعلَم أن الذي يؤمن بالله تعالى ويعُدُّه رحيما وكريما ومدبِّرا وعادلا لن يقول بأن ذلك الحكيم والكريم قد وضع نظام ربوبيته كله في أيدي أشياء لم تُعطَ قدرة على التمييز بين صالح وطالح، ولم توهَب قوى للتدبير والتعديل وإدراك المصلحة. ولكن التابع لمذهب الطبيعة والملحد الذي ينكر وجود الله تعالى سيقول ذلك حتما. وسيقول أيضا بناء على غفلته بأن ما يظهر من الأجرام السماوية أو العناصر أو كائنات الجو ليس وِفق الحكمة والمصلحة، وبأن الله ليس موجودا لنؤمن به عاملا بالحكمة والمصلحة بل يصيب الإنسان خيرٌ أحيانا أو شرٌّ أحيانا أخرى على سبيل المصادفة نتيجة الأحداث والتغيّرات الحادثة في الأجرام العلوية والسفلية. فلإقناعه هناك طريق آخر سديد جدا يُفحمه بسرعة، وهو أن أفعال الله ونبوءاته العظيمة التي تضم في طياتها قوة ربانية ويُعطاها الملهَمون والواصلون إلى الله تعالى تدل على وجود الله جلّ شأنه وصفاته الكاملة الجميلة الجليلة دلالة قوية وقطعية ويقينية. ولكن الأسف كل الأسف على أن الذين يبحثون في العالم عن الله بصدق القلب وهم جياع وعطاشى لمعرفة سبله – عز وجل – قلةٌ قليلة ويملأ العالَمَ أولئك الذين لا يسمعون دعوة الداع ولا يتوجّهون إلى نداء المنادي ولا يفتحون عيونهم على ضجة الموقظ. لقد دعونا – لتصديق هذا الأمر- بفضل الله تعالى وتوفيقه وإذنه، كل معارض ولكن لم يتوجّه إلينا أحد بصدق القلب والطلب الصادق. ولو توجّه أحد، أو يتوجه الآن أيضا لأقام عليه الحجة – بنور سماوي – ذلك الإله الحي الذي قدراته ظلت تحيّر أتباع العقل دائما، ذلك القادر والقيوم الذي ظل يُخجل دائما الحكماء في هذا العالم. الفساد الأكبر في العالم الذي يؤدي إلى الأفعال الشنيعة ولا يسمح لأصحابها أن يرفعوا بصرهم إلى الآخرة هو أن معظم الناس لا يؤمنون بالله كما هو حقه. فبعضهم يرفضون في هذا العصر وجود الله رفضا سافرا، وبعضهم يقرّون بوجوده باللسان ولكن أعمالهم وأفكارهم وجوارحهم تشهد بأنهم لا يؤمنون بالله جلّ شأنه، بل هم مشغولون في مشاغل دنيوية ليل نهار وكأنهم لا يذكرون الموت نهائيا. وسبب ذلك أيضا عائد إلى الظلام المخيِّم على قلوب أكثرهم، فلم تبق فيها شائبة من نور المعرفة. فليكن واضحا أنني قد أثبتّ إلى الآن ضرورة الملائكة تماما، التي تتلخص في أن الله فوق كل شيء من حيث تنزُّهه وتقدّسه ويستخدم المظاهر المناسبة في تدلّياته وتجلياته. ولما كانت الأجسام والأشياء المادية بعيدة كل البُعد عن الله تعالى، علةِ العِلَل والفياض الكامل، لكونها مقيدة في خواصها وقيودها، وتسميتها “الموجود” مقابل وجود الله البارئ، وكونها مختصة بإراداتها وأفعالها الطبيعية وكونها وجودا مستقلا وجامعة لهويتها، ومانعة لهوية غيرها، ولأن حُجُبًا سميكة لأنانيتها ومخلوقيتها تحيط بها؛ لذا لم تعُد جديرة بأن تنزل عليها فيوض الله الأحد بصورة مباشرة التي تنزل فقط إذا لم تكن الحجب المذكورة حائلة، وأن يكون هناك كيان يشبه العدم تماما. ولأن وجود هذه الأشياء ليس شبيها بالعدم بل كل شيء من المخلوقات من هذا القبيل يعلن وجوده بأعلى صوته، فمثلا تعلن الشمس أنا التي تتوقف عليها الحرارة والبرد والضوء كله، وألقي بتأثيراتي من 365 نوعا على العالم في 365 يوما، وأسبِّب الحر عند مواجهة أشعتي، وأسبِّب البرد عند الانحراف عني، وأسيطر على الأجسام وموادها وأشكالها وحواسها. وتقول الأرض: أنا التي يسكن على سطحي آلاف البلاد، وأُنبتُ أنواع النباتات وأكوِّن في أحشائي شتى الجواهر وأستقبل تأثيرات السماء كالمرأة. وتقول النار بلسان حالها: أنا حارقة وأملك قوة الإحراق كخاصية ذاتية، وأنوب مناب الشمس في الظلام. كذلك يمدح كل شيء في الأرض نفسه بلسان حاله. فمثلا يقول السِّنا: أخلق في جسم الإنسان تأثيرا حارا في المرحلة الأخيرة من الدرجة الثانية. أما في الدرجة الأولى فأترك في الجسم تأثير الجفاف. وأنا مسهِّلٌ للبلغم والسوداء والصفراء والاختلاطات المحرَقة، وأنقِّي الدماغ. وأفيد في الصرع وألم الشقيقة والجنون والصداع المزمن وألم الجنب، وضيق التنفس والقولنج وعرق النسا والنقرس وتشنج العضلات والثعلبة (تساقط الشعر) وداء الحية والحكّة والجَرب، والبثور المزمنة وأوجاع المفاصل، والمفرزات البلغمية والصفراوية وفي كافة الأمراض السوداوية. ويقول الراوَنْد (عشبة بطاطية نافعة): أنا دواء مقوٍّ، وأخلق في جسم الإنسان تأثيرا حارا من الدرجة الثانية في مرحلتي الأولى. ومبرِّد أيضا عرضا بناء على شدة التحليل. وأملك بداخلي الرطوبات الزائدة، وأسبب الجفاف والإمساك ومنظّفٌ ومُنضِج وأقطع المواد اللزجة. وأنا ترياق للسموم الباردة وخاصة لسم العقرب. وأسهِّل المفرزات الغليظة والرقيقة وأيسّر الحيض وأُدِرّ البول وأقوي الكبد وأفكِّك غدده والغدد في الطحال والأمعاء، وأطرد الريح وأفيد في السعال المزمن وضيق التنفس والسل وقرحة الرئة والأمعاء وكافة أنواع مرض الاستسقاء واليرقان المصحوب بضخامة العقد والإسهال المصحوب بضخامتها. وأعالج المساريقا (الأغشية التي تغلف الأمعاء) والدوسنطاريا، وأزيل الانتفاخ، وأطرد الريح، وأفيد في الأورام الباردة في الأحشاء، والتخمة والمغص والبواسير والنواسير والحمى الرُبعية. ويقول الجَدْوار: أنا أخلق الحرارة والجفاف في المرتبة الأولى من الدرجة الثالثة، ولي علاقة متينة مع الحرارة الغريزية، وأُفرِّح وأقوّي الأعضاء الرئيسة مثل القلب والدماغ والكبد، والأحشاء. وأنا ترياق السموم الحارة والباردة التي تُنشئ في الجسد الحرارة والبرودة، لذا إذا أضيف إلي قليل من المسك والزنجبيل، وشيء من حامض الكبريت وماء حب الهال الأبيض، وعصير النعناع وعصير الشبت (بقلة من التوابل) أفيد كثيرا في الهيضة الوبائية بإذن الله، وناجع في تسكين الأوجاع وتقوية البصر وتفتيت الحصاة، وقلع القولنج وعسر البول ومعالجة الحمى الرُبعية. وأفيد كثيرا إذا أُعطِيتُ – بقدر نصف مثقال- ملدوغَ الحية والعقرب وأزيل تأثير سم العقرب الجرار أيضا، وأفيد في ضعف القلب. وإذا أُضِيف إلي الصفصاف وعصير نيلوفر (السوسن) أزيل ضعف القلب سريعا، وأتدارك النبض الهابط. وأفيد وجع المفاصل مع عصير الورد، وأنفع حصاة الكلية والمثانة. وإذا احتبس البول أُدِرُّه سريعا إذا استُعمِلتُ مع عصير بذور الخيار، وأفيد في القولنج الريحي. وإذا تعسّرت عملية الطلق أسهل الولادة إذا شُرِبت مع عصير حصرم (عنب الثعلب) أو عصير نبات الحلبة بقدر قيراطينِ فقط. وأفيد كثيرا في داء أم الصبيان (نوع من الصرع) وفي معظم الأمراض الدماغية. وأنفع في أورام الخاصرتين ووراء الأذنين وتحت الإبط وفي أصل الفخذ، وأفيد في الخناق والخنازير وفي كافة أنواع أورام الحلق. وأفيد في الطاعون. وإذا استُعمِلتُ مع الخل أزلتُ ورم الجفون. وإذا دُهنت بي الأسنان أزلتُ وجعها الناتج عن المواد الباردة. وإذا دُهنت بي البواسيرُ سكّنتُ ألمها. وإذا كُحِلت بي العين أزلتُ رمدها البارد. وإذا حُقن بي في الإحليل نفعتُ في أسْرِ البول. وأترك تأثيرا إيجابيا قويا في القوة الجنسية إذا أُضيفَ إلي المسكُ والأدوية المناسبة الأخرى. وأنفع في حالة الإصابة بالصرع والسكتة والفالج وشلل الوجه التشنجي، والاسترخاء والرعشة والخدر وما شابهها من الأمراض. وأنا إكسير للأعصاب والدماغ.
فباختصار، كل هذه الأشياء تمدح نفسها بلسان حالها وهي محجوبة بأنفسها أي محجوبة بحجاب خواصها لذا فقد بعُدت من مبدأ الفيض. فلا يمكن لمشيئة مبدأ الفيض أن تكون على صلة بها بغير توسط أشياء تكون منزَّهة عن هذه الحجب لأن الحجب تحول دون هذا الفيض. لذا فقد اقتضت حكمة الله أن يكون هناك مخلوق ليس محجوبا بنفسه ليكون المظهر الأول لإراداته – سبحانه وتعالى – بل يكون خلق غريب يخلو من نفسٍ حاجبة من حيث فطرته على عكس الأشياء الأخرى، ويكون بمنزلة جوارح الله تعالى. ويكون عدده مطابقا لجميع إرادات الله تعالى التي لها علاقة مع المخلوق وكافة حاجاتهم. وتكون تلك المخلوقات الغريبة واقفة أمام الله تعالى دائما محافظة على فطرتها كالمرايا النقية وتكون ذات جهتين من حيث وجودها. جهة للتجرد والتنزُّه وهي ألطف ومنزهة عن الحجب في حد ذاتها، وعلى ذلك تكون مختلفة عن المخلوقات الأخرى، وشبيهة تماما بوجود الله تعالى على وجه الظلية وغير محجوبة بنفسها. والجهة الثانية: من حيث المخلوقية وبسببها تكون مطابقة للمخلوقات الأخرى وقريبة منها من حيث تأثيراتها. فبسبب إرادة الله هذه وُجد هذا المخلوق الغريب الذي يُسمَّى الملائكة. والملائكة فانون في طاعة الله لدرجة لا يملكون شيئا من إرادتهم وتوجّهم وقواهم الذاتية أي لا يملكون أن يكونوا لطفاء بأحد من تلقاء أنفسهم أو أن يغضبوا عليه، أو يريدوا شيئا برغبتهم أو يكرهوه من عند أنفسهم بل هم مثل جوارح الله تعالى تماما. إن كافة إرادات الله تنعكس من خلال مراياهم النقية أولا ثم تنتشر في المخلوقات بواسطتهم. ولأن الله تعالى في مقام التجرد والتنزه التام بسبب قدسيته التامة لذا فإن الأشياء التي لا تخلو من كثافة الأنانية ووجودها المحجوب، بل هي محجوبة بنفسها، لا تنسجم مع مبدأ الفيض هذا. لذا كانت هناك حاجة إلى أشياء تطابق الله من وجه، ومن وجه آخر تطابق المخلوق لكي تنال الفيض من جهة وتوصله إلى جهة أخرى. ومن الواضح أنه ما من شيء في الدنيا مستقل بذاته من حيث وجوده وبقائه وحركته وسكونه وتغيّراته الظاهرية والباطنية وفي إظهار خاصيته وفي أخذ عرضه أو تركه بل إن كافة أمور الخلق تسير بالاستناد إلى ذلك الحي والقيوم وحده، وإن كان يبدو في الظاهر أننا لسنا محتاجين للعون من الغيب في شؤوننا بل نستطيع أن نتحرك حين نشاء ونتوقف حين نريد، ونستطيع أن نتكلم متى نشاء ونسكت متى نشاء، ولكن نظرة المعرفة توحي بجلاء تام أننا بحاجة حتما إلى النصرة من الغيب في كافة حركاتنا وسكناتنا وجميع أمورنا الأخرى. وإن قيومية الله تعالى تعمل في حالة كوننا نطفةً وعلقة ومضغة وكوننا جنينا وفي كل حركة من حركاتنا وسكناتنا وكل قولنا وفعلنا، أي في كل ما يستلزم كوننا مخلوقا. ولكن تلك القيومية لا تنزل علينا مباشرة لكوننا محجوبين بأنفسنا. لأنه لا تطابُق بيننا وبين ذلك الذات الألطف والأعلى والأغنى ونور الأنوار لأن كل شيء منا سواء أكان حيا أم لا محجوبٌ بنفسه وبعيد كل البُعد عن حظيرة تنزه القدسية. لذا صار توسط وجود الملائكة بيننا وبين الله تعالى ضروريا كضرورة توسط القوى الروحانية والحسية بين جسد الإنسان ونفسه، لأن النفس كانت في غاية التجرد واللطافة وأما الجسد فكان محجوبا بنفسه وواقعا في الكثافة والظلمة لذا فقد خلق الله تعالى بينهما القوى الروحانية والحسية ذات الاتجاهين كي تنال تلك القوى فيضا من النفس الناطقة وتؤدِّب الجسد كله وتهذِّبه. (المصدر: كتاب مرآة كمالات الإسلام، الحاشية)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
إن علاقة الملائكة مع الأجرام العلوية والأجسام السفلية متينة في الحقيقة كعلاقة القوى الروحانية والحِسّية مع جسد الإنسان لأنه كما تقوم نفسُ الإنسان بتدبير جسده بواسطة القوى الروحانية والحسّية كذلك فإن قيوم العالم الذي هو كنفس مدّبرة لبقاء العالم كله وقيامه، وهو نور حياتهم بحكم الآية: {الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالَْأرْضِ} (النور:36) يدبّر العالم الكبير بواسطة الملائكة. ولا يسعنا إلا القبول بأن كل ما ثبت في العالم الصغير من نظام الله الأحد الذي لا شريك له، يشبهه نظام آخر في العالم الكبير أيضا لأن كِلا النظامين صادر من الذات نفسه. والحق أنه يجب أن يكون مقتضى ذلك الواحد الذي لا شريك له أن يكون كلِا النظامين على شكل ونمط واحد ليدلا معا على خالق وصانع واحد، لأن وحدة النظام تؤيد توحيد البارئ عز اسمه، لأننا نستطيع القول بأنه لو كان هناك أكثر من إله لوُجد في هذا النظام اختلاف كبير. فباختصار، من الواضح تماما أن وجود ملائكة الله مهمّ للعالَم الكبير كأهمية القوى الروحانية والحسّية في نشأة الإنسان الذي هو العالم الصغير. (مرآة كمالات الإسلام، الحاشية)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
إن قوانا وحدها لا تكفي لإدارة آلة بشريتنا بل نحن بحاجة إلى أنصار ومساعدين خارجيين. ولكن النواميس الطبيعية تخبرنا بأنه، وإن كان ذلك النصير والمعين الخارجي هو الله تعالى لكونه علة العلل، ولكنه لم يدبّر قط أن يؤثر في قوانا وأجسامنا بغير واسطة. بل بقدر ما نمعن النظر ونستخدم فكرنا وذهننا نرى بكل صراحة وبداهة ووضوح أن هناك عِلَلا تتوسط بيننا وبين الله تعالى لنيل كل نوع من الفيض، وبواسطتها تنال كل قوة فيضا بقدر حاجتها. فمن هذا الدليل وحده يثبت وجود الملائكة والجِنَّة أيضا لأن ما نريد إثباته هو أن قوانا وحدها لا تكفي لاكتساب الخير أو الشر بل نحن بحاجة إلى مُمِدَّات ومعينات خارجية تملك تأثيرا خارقا للعادة، ولكن تلك الممِدَّات والمعينات ليس الله تعالى بذاته مباشرة ودون واسطة بل بواسطة بعض الأسباب. فإن مطالعة النواميس الطبيعية كشفت لنا بالقطع واليقين أن تلك الممدات والمعينات موجودة في الخارج وإن لم نعلم كنهها وكيفيتها، ولكنه معلوم يقينا أنها ليست الله تعالى مباشرة وليست قوانا ومَلكاتنا بل هي خلقٌ آخر ما عدا هذين القِسمين ويملك كيانا مستقلا. وعندما نسمِّي أحدهما الداعي إلى الخير فسندعوه روح القدس أو جبريل، وحين نسمي غيره داعيا إلى الشر نسميه شيطانا وإبليس أيضا. ليس ضروريا أن نُري روحَ القدس أو الشيطانَ عيانا لكل قلب مظلم، وإن كان العارفون يرونهما إذ يمكن رؤيتهما في الكشوف، غير أن ذلك يكفي دليلا للمحجوب الذي لا يقدر على أن يرى الشيطان ولا روح القدس لأن وجود المؤثِّر يثبت بوجود المتأثِّر. وإذا لم يكن هذا القانون صحيحا فكيف يمكن العثور على وجود الله تعالى إذًا؟ هل لأحد أن يُري أين الله؟ بل الحق أنه قد اعتُرف بضرورة ذلك المؤثّر الحقيقي نظرا إلى المتأثِّرات التي هي نماذج قدرته. غير أن العارفين يرونه بعيون روحانية ويسمعون كلامه بعد وصولهم مرتبتهم الأخيرة. ولكن ما سبيل الاستدلال للمحجوب إلا أن يؤمن بوجود ذلك المؤثِّر الحقيقي بالنظر إلى المتأثِّرات. فبهذه الطريقة يثبت وجود روح القدس والشياطين، ولا يثبت فقط بل يُرى بكل جلاء. ولكن الأسف على الذين أنكروا وجود الملائكة والشياطين متأثرين بظلمة الفلسفة الباطلة، وبذلك أنكروا البينات والنصوص القرآنية الصريحة وسقطوا في هوّة الإلحاد لغبائهم. فليكن واضحا هنا أن هذه المسألة من المسائل التي لإثباتها أفردني الله تعالى في استنباط الحقائق من القرآن الكريم، فالحمد لله على ذلك. (المصدر: كتاب مرآة كمالات الإسلام)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
فليكن واضحا أن القول: لماذا لا نرى الملائكة لغوٌ تماما. إن للملائكة وجودا لطيفا مثل الله تعالى تماما، فكيف يمكن رؤيتهم بالعيون المادية؟ هل الله تعالى الذي يسلِّم بوجوده هؤلاء الفلاسفة أيضا يُرى بهذه العيون الفانية؟ وإضافة إلى ذلك ليس صحيحا أيضا أن رؤية الملائكة لا يمكن بحال من الأحوال، لأن العارفين يرونهم بعيونهم الروحانية في كشوفهم التي يرونها في اليقظة في معظم الأحيان، ويتحدثون إليهم ويأخذون منهم علوما كثيرة.
أقسم بالله الذي نفسي بيده، والذي لا يترك المفتري الكذّاب دون أن يخزيه ويعذّبه بأنني صادق في بياني هذا؛ أني رأيت الملائكة مرارا في عالم الكشف وأخذت منهم بعض العلوم، وعلمت منهم الأخبار الماضية والمستقبلية التي كانت مطابقة للواقع تماما. فأنّى لي أن أقول بأنه لا يمكن لأحد أن يرى الملائكة؟ لا شك أنهم يُرَون ولكن بعيون أخرى. وكما يضحك هؤلاء القوم على هذه الأمور كذلك يبكي عليهم العارفون. ولو بقوا في صحبتهم لاقتنعوا بالطرق الكشفية، ولكن المشكلة أن في مخّهم نوعا من الكبر، فلا يسمح لهم أن يحضروا طالبين الحق متواضعين متذللين. أما القول بأنه لماذا لا نشعر بأفعال الملائكة؟ فهو أيضا فرع الاعتراض الأول. فكما لا يُرى الملائكة في حالة المحجوبية، ولا يُعثَر على وجود الله أيضا، بل يكون مدار الإنسان كله على أفكاره هو، كذلك لا نشعر بأفعال الملائكة أيضا لأنها روحانية. هنا يصدق المثل القائل بأن الأعمى أنكر وجود الشمس قائلا بأنه لا يعثر عليها باللمس. فخاطبتْه الشمس وقالت: يا أيها الأعمى لا يمكن العثور عليّ باللمس لأني بعيدة جدا عن يديك. فادعُ الله أن يهبك عينينِ فستراني بهما. أما الفكرة أنه إذا كانت الملائكة هي المدبِّرات والمقسمات أمرا، فلماذا تنجح مساعينا نحن؟ ولماذا تخضع معظم أمورنا ومعاملاتنا وتصرفاتنا لمخططاتنا وتدابيرنا؟ فجوابه: إن مخططاتنا وتدابيرنا هذه أيضا لا تخلو من تدخّل الملائكة وإلقائهم وإلهامهم. الأعمال التي يُنجزها الملائكة بإذنه تعالى يستخدمون لإنجازها شخصا أو شيئا أُودعتْ فطرته موهبة لقبول تأثير الملائكة. فمثلا إذا أراد الملائكة أن ينزِّلوا بإذنه تعالى مطرا في مزرعة أو قرية أو بلد فلا يمكن طبعا أن يصبحوا ماء بأنفسهم ولا يستطيعون أن يأخذوا من النار خدمة الماء بل يوصلون السحاب بتأثيراتهم الجاذبة إلى المكان المقصود، وبصفتهم مدبِّرات الأمر يجعلونها تمطر بحسبما قُدّر كيفا وكمًّا وتقديرا. توجد في السحاب كافة القوى التي يمكن وجودها فيما لا روح فيه ولا إرادة ولا شعور بصفته جماداً ولخاصيته العنصرية. إن المهمة الموكولة إلى الملائكة هي التقسيم والتدبير، لذلك سُمُّوا “المقسِّمات” و”المدبِّرات.” أما الإلقاء والإلهام الذي ينزّله الملائكة فيكون بقدر مواهب المتلقِّي الفطرية. فمثلا الإلهام الذي يُنزلونه على عباده الأصفياء لا ينزلونه على غيرهم بل لا يتوجّهون إلى ذلك أصلا. فمن منطلق هذه القاعدة يستفيد كل شخص من فيض إلقاء الملائكة على قدر موهبته، والعلم أو الفن الذي يجعله الشخص نصب عينيه ينال العون من الملاك في مجال العلم والفن نفسه. فمثلا حين يريد الله جلّ شأنه أن يصاب أحد بالإسهال نتيجة تناول دواء معين يلقي الملاكُ في قلب الطبيب أن يعطيه دواء مسهِّلا كذا وكذا. فيصف للمريض “التُربد” أو القرفة، أو السفرجل أو سقمونيا أو السنِّا أو زيت الخروع أو شيئا آخر بحسب ما أُلقي في قلبه. فيقبل طبعُه هذا الدواء بتأييد الملائكة ولا يتقيأه. عندها يلقي الملائكة بتأثيرهم على ذلك الدواء ثم يوصلون تأثيراته إلى جسد المريض وتبدأ المواد المؤذية بالزوال بإذنه تعالى. فالله تعالى لم يسمح -نتيجة حكمته وقدرته الكاملة- أن تضيع سلسلة العلوم والفنون الظاهرية ولم يعطّل قدراته الإلهية وسيطرته الدائمة. لولا سيطرة الله الدقيقة إلى هذه الدرجة على عوارض مخلوقاته وبقائهم وفنائهم لما عدَّ إلها قط، ولما صح التوحيد. غير أنه صحيح تماما أن الله تعالى لم يُرد في هذا العالم أن تصبح جميع أسرار العالم بديهية في الأنظار لأنها إذا صارت بديهية لما ترتّب الثواب على الإيمان بها. فمثلا لو استطاع الناس أن يروا الله والملائكة بأم أعينهم لدخلت هذه المعلومات أيضا في قائمة المعلومات التي ينالها الناس بحواسهم وتجاربهم. ففي هذه الحالة لما كان الإيمان بهذه الأمور سببا للنجاة كما لا يسبب النجاةَ الإيمانُ بمئات الأمور المعلومة الأخرى. فمثلا نحن نؤمن بأن الشمس والقمر موجودان في الحقيقة، وتوجد في الأرض مئات أنواع الحيوانات ومئات أصناف الأعشاب، ومئات ألوان المناجم والأنهار والبحار والجبال، ولكن هل سنُثاب على هذا الإيمان؟ أو هل نكون مقرّبين إلى الله نتيجة إيماننا بهذه الأشياء. كلا؟ فلماذا إذًا يعدُّ عند الله مستحقا للنجاة ذلك الذي يؤمن بصدق القلب بملائكة الله والجنة والنار وميزان الأعمال يوم القيامة، ويؤمن بالقيامة، ويوقن أيضا بحقيقة أن كتب الله نزلت في الدنيا وجاءت رسله أيضا، وسيحشر الله الأجساد يوما من الأيام، وأن الله موجود وهو واحد لا شريك له في الحقيقة؟. أيها الأحبة، اعلموا يقينا أن السبب في ذلك هو أن هذا الشخص يؤمن بالله الذي ما زال غيبا، ويؤمن بصحة أخبار كتابه الغيبية، فيُعَدّ عند الله صالحا وذا فكر مستقيم وحَسَن الظن، ومطيعا، فيُغفَر له ببركة صدقه، وإلا ما علاقة النجاة بمجرد المعلومات؟ فلو قال أحد يوم القيامة بعد زوال الحجب كلها: ها هي الجنة والنار ماثلتان للعيان، وها هم الملائكة واقفون صفا، وها هو الميزان الذي يزن الأعمال، وها هو رب العالمين جالس على كرسي العدالة، فهل سينجو نتيجة إيمانه بكل هذه الأشياء؟ كلا. إذًا، ما السبب في عدم نجاته؟ أليس السبب وراء ذلك أنه قد رأى الآن بأم عينيه كل تلك الأشياء التي كانت في حجب الغيب من قبل فأفلتت من يده فرصة نيل الثواب الذي لا يناله إلا الذي يجهل تلك الأدلة البديهية ثم يصل إلى حقيقة الأمر بالاستنباط من القرائن الدقيقة البحتة؟ الأسف كل الأسف أن الذين يكادون يضحون بأنفسهم من أجل علم الفلسفة على عقولهم غشاوة فلا يفهمون أنه لو جُعل العلم بذات البارئ تعالى وبوجود الملائكة وبحشر الأجساد وبالجنة والجحيم والعلم بالنبوة والرسالة واضحا وكُشف بالبداهة مثل علم الهندسة والرياضيات، وكما وُضّح بعض أجزاء العلوم الطبيعية والطب والأفلاك؛ لما كان لهذه العلوم البديهية والضرورية أية علاقة مع نجاة الإنسان ما دامت حقيقة النجاة أنها فضل من الله المليء بحب الله جلّ شأنه الذي يتوجه إلى الصالحين والصادقين والمؤمنين الحقيقيين والأوفياء والمؤمنين بالأخبار الظنية، فأيَّ صلاحية وصدق وصفاء يمكن أن يثبته الإيمان بالأمور البديهية والضرورية؟ نرى بكل وضوح بأننا كما نؤمن أن نصف الأربعة هو اثنان، كذلك يعتقد به وقيح من الدرجة القصوى أيضا. نحن نؤمن ونعتقد بوجود آلاف الأشياء بل عشرات الملايين منها بالقطع واليقين ولا نشك في وجودها قط، فهل نثاب نتيجة الإيمان بها؟ كلا. فلهذا السبب لم يُظهر الله تعالى آياته بالبداهة بواسطة أنبيائه كما ظل يطلبها الجهال من الناس في العالم دائما. بل ألقى غشاوة الابتلاء أيضا على الذين كانت على مواهبهم غشاوة سابقا. كما ذُكر في القرآن الكريم أن جهّال مكة كانوا يقولون بأنهم سيؤمنون بشرط أن يُحيا جميع أموات العرب، أو ترقى أنت في السماء أمام أعيننا وتنزل منها أمام أعيننا مع كتاب نأخذه في أيدينا ونقرأه. ولكن هؤلاء الأغبياء لا يعرفون أنه لو انكشفت الحقائق إلى هذا الحد فأيّ فرقٍ بقي بين هذا العالم وبين القيامة؟ وكيف يمكن إطلاق لفظ الإيمان على هذا القبول بعد ظهور الآيات بتلك البداهة؟ ومن لا يقبل الحقائق البديهية البينة؟ فلباب القول إن أساس أفكار الفلاسفة هو الخاطئ. إنهم يريدون أن يُصنِّفوا الإيمانيات كلها في قائمة العلوم المشهودة المحسوسة ويريدون أن يثبت وجود الملائكة والجنة والجحيم ووجود الله كما عُثر على أكثر بقاع المعمورة وكثير من النباتات والمناجم نتيجة البحوث الحالية. ولكن الشيء الذي أدخله الله تعالى في الإيمانيات منذ أول يوم لإيجاد سبيل لنجاة الإنسان أنّى له أن يبلغ هذه الدرجة من الهداية على عكس مشيئة الله. غير أنه عندما يتقدم الإنسان من درجة الإيمان إلى مرتبة العرفان يرى هذه الأمور كلها بصورة الهداية دون أدنى شك. بل تثبت تلك الأمور بقوة أكثر من إثباتات الرياضيات لأن معظم إثباتات الرياضيات مبنية على الدوائر الوهمية بينما تكون الأمور الدينية حائزة على مرتبة العرفان ومنزهة من الشبهة والشك. بقدر ما أمكن إثبات شيء ببداهة أكثر في العالم توجد على هذه المعتقدات أدلة على النمط نفسه بل أقوى من ذلك إذ لا يوجد نظيرها في العالم. ولكن الشقي لا يرغب في هذه السبل قط بل يريد أن يصل إلى حق اليقين بواسطة السبل التي لم تحددها سنن الله الأزلية في الكون لمعرفة هذه الأمور. ومَثله في ذلك كمثل الذي يضع على عينه قطعة حلوى وبذلك يريد أن يعرف هل هي حلوة أو مُرَّة، أو كالذي يغلق عينيه ويريد أن يستخدم الأذنين للرؤية. فليكن معلوما أنه ليس صحيحا القول بأن الله تعالى يريد أن يكلِّف عباده في مرتبة الإيمان بما لا يطاق من أجل التسليم بهذه الأمور فقط. بل قدّم – سبحانه وتعالى – للتسليم بها براهين دقيقة لو أمعن فيها سليم العقل لأمكنه أن ينال نصيبا وافرا من اليقين. فمثلا إن الإيمان بالله تعالى في مراتب الإيمان هو الإيمان بالغيب، ولكن انظروا كيف يزخر القرآن الكريم بالاستدلالات والبراهين القاطعة لإثبات وجود ذلك الخالق. كذلك لا يسعنا أن نضع يد الملائكة في يد مَن ينكر وجودهم أو نُريه إياهم وهم يقومون بأعمال معينة، بل يكفي طالبَ حقٍّ أن تثبت في نظره ضرورة الملائكة حتما عند رؤيته إدارة النظام في منتهى الدقة. وإذا كان الطالب مثله ملحدا فسنثبت له وجود البارئ تعالى أولا، ثم نثبت له أنه لا يمكن أن يكون هناك إله سوى ذلك الإله الذي لا تسقط ورقة بدون أمره وإذنه. ثم نثبت أن الحِكم الدقيقة التي بها يُنعم الله تعالى على عباده بواسطة الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح وغيرها لم تُعطَ تلك الأشياء قوى قط لمعرفة تلك الحِكم ووضعِ الشيء في محله، كما أثبتنا قبل قليل. وقد أثبتنا أيضا أن الله تعالى لا يعمل شيئا بغير الوسائط. والأشياء التي يجعلها وسائط يعطيها أولا قوى وقدرات مناسبة لإنجاز تلك الأعمال. فيسخِّر الأذكياءَ لإنجاز أعمال تتعلق بالذكاء، ويستخدم أولي العزم لإنجاز أعمال ذات صلة بالعزم، ويستخدم الحيوانات لأعمال تتعلق بها ويستخدم أصحاب النظر الدقيق في هذا المجال المعني. فلا شك أن ضرورة الملائكة تثبت دون شك بعد تقديم كل هذه الأدلة. أما في الإيمانيات فيكفي هذا القدر للإثبات كيلا يكون تكليف بما لا يطاق وكيلا يضيع ثواب الإيمان أيضا لأنه لو أُثبت وجود الملائكة كأنهم أُحضِروا أمام الأعين لما بقي الإيمان إيمانا، ولفاتت الحكمة وراء النجاة، فافهم وتدبّر ولا تكن من المستعجلين. (المصدر: كتاب مرآة كمالات الإسلام، الحاشية)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
كما أن للشمس والقمر والكواكب الأخرى تأثيرا في أجسامنا وقوانا الظاهرية، كذلك تؤثر الملائكة في قلوبنا وأذهاننا وكافة قوانا الروحانية تأثيرات مختلفة بحسب مواهبنا. كل ما يملك قدرة على التحول إلى شيء ذي بال، سواء كان ترابا أو قطرة ماء في المحار أو النطفة التي تُقذف في الرحم؛ يتحول بتربية ملائكة الله الروحانية إلى لَعْلٍ أو ألماسٍ أو ياقوتٍ أو لؤلؤة لامعةٍ من الجواهر الثمينة، أو يصبح إنسانا صاحب ذهن وقلب ذي صفات عظيمة …
لقد ذكر القرآن الكريم الملائكة بأسلوب سلس وواضح إذ لا يسع الإنسان إلا قبوله. والتعمق في القرآن الكريم يبين أن هناك حاجة ماسة إلى الوسائط لتربية جميع كائنات الأرض ظاهريًا وباطنيًا. ويتبين بصراحة تامة من بعض الإشارات الواردة في القرآن الكريم أن بعض الأرواح الطيبة التي تسمّى ملائكة، لها علاقات مختلفة مع طبقات السماء؛ فبعضهم يتحكمون في الرياح بحكم تأثيرهم الخاص بها، وبعضهم يتحكمون في الأمطار، وبعضهم يُلقون على الأرض تأثيرات أخرى. فلا بد أن تكون لتلك الأرواح الطيبة علاقة -بحكم علاقتها مع النور- مع الأجرام المضيئة والنورانية التي في السماء. ولكن يجب ألا تعدَّ تلك العلاقة كما لكل كائن حي على وجه الأرض روحٌ؛ بل إن لتلك النفوس الطيبة -بسبب نورها وضيائها الروحاني- علاقة مجهولة الكنه مع الأجرام المضيئة. وإن طبيعة تلك العلاقة هي أنه لو افترضنا انفصال تلك النفوس الطيبة عن النجوم لوقع الخلل في جميع قواها. والمعلوم أن جميع الأجرام مسخَّرَة لأعمالها بالقوة الكامنة بيد تلك النفوس. كما أن الله تعالى كالروح للعالَم كله (ليس المراد هنا التشبيه الكامل) كذلك إن هذه النفوس النورانية بمنزلة الروح للكواكب. وإذا حدث الانفصال بينها، فلا بد من حدوث فساد كبير في كيفية وجودها أصلا. لم يختلف أحد إلى يومنا هذا في أن النجوم والكواكب كلها في السماء تعمل دائما على تربية كائنات الأرض وتكميلها.
باختصار إنها حقيقة ثابتة ومتحققة تماما أن الكواكب السماوية تؤثر ليل نهار في كافة النباتات والجمادات والحيوانات، حتى إن الفلاح الغافل والساذج أيضا يوقن أن لضوء القمر على الأقل تأثيرا حتميا في إنعاش الفواكه وزيادة نموّها، وأن لحرارة الشمس تأثيرا في نضجها وحلاوة مذاقها، وأن لبعض الرياح تأثيرا حتميا في كثرة الثمار. فما دامت سلسلة الكون الظاهرية تتربى وتتأثر بتأثيرات تلك الأشياء؛ فأي شك في أن تؤثر النفوس النورانية بإذن ربها في السلسلة الباطنية أيضا، التي لها علاقة قوية مع الأجرام المضيئة كعلاقة الروح بالجسد.
ليكن معلوما أيضا أنه قد يبدو من سوء الأدب ظاهريا الاعتبار أن هناك واسطة بين الله وأنبيائه الأطهار لإفاضة أنوار الوحي، ولكن يمكن أن يُفهم جيدا بشيء من التدبر أن ذلك ليس سوء أدبٍ قط، بل هو مطابق تماما لقانون الطبيعة العام المشهود والملحوظ بكل وضوح في كل شيء في الدنيا. فإننا نرى أن الأنبياء عليهم السلام؛ أيضا محتاجون لهذه الوسائط من حيث أجسامهم المادية وقواهم الظاهرية. وإن عيون الأنبياء أيضا، مهما كانت نورانية ومباركة، لكن ليس بمقدورها أن ترى شيئا -كما عيون عامة الناس- بغير واسطة ضوء الشمس أو ما يقوم مقامها، ولا يستطيعون أن يسمعوا شيئا بغير واسطة الهواء. لذا لا بد من القبول أيضا أن روحانية الأنبياء تتأثر حتما، بل تتأثر أكثر من غيرهم بالنفوس النورانية التي في الكواكب، لأنه كلما كانت الموهبة لاستقبال التأثير أصفى وأكمل؛ كان التأثير أصفى وأكمل. ويتبين من القرآن الكريم أن للكواكب والنجوم روحا بحسب قوالبها، ويمكن تسميتها بنفوس الكواكب أيضا. وكما توجد في الكواكب والنجوم، بحسب قوالبها الظاهرية، خواص مختلفة تؤثر في كل شيء في الأرض بحسب الكفاءة، كذلك في نفوسها النورانية أيضا خواص مختلفة الأنواع والأقسام تؤثر بإذن الله الحكيم العليم في بواطن كائنات الأرض. وهذه النفوس النورانية تظهر على العباد الكُمّل متجسدةً بأجساد وتُرَى متمثلةً في صورة بشر. وليكن معلوما أيضا أن هذا الكلام ليس من قبيل الخطاب البحت، بل يشمل حقيقة لا بد لطالب الحق والحكمة من قبولها؛ لأننا قد قبلنا أن الأجرام السماوية تربي الأجسام الأرضية حتما، وكلما أمعنّا النظر في الأجسام الأرضية من حيث الاستقراء نرى أمارات هذه التربية في كل شيء بالبداهة، سواء كان من النباتات أو الجمادات أو من الحيوانات. فنحن مضطرون للقبول بناء على التجربة الصريحة أن لهذه النفوس النورانية علاقة بتقدم سلسلة الكمالات الروحانية وتنوير القلب والذهن. وبسبب هذه العلاقة؛ جعلت الشريعة الغراء واسطة الملائكة بين الله ورسله -على سبيل الاستعارة- ضرورية. وقد عُدّ الإيمان بها من واجبات الدين. والذين لم يفهموا هذه الحقيقة لجهلهم البغيض مثل الآريين والبراهمو؛ اعترضوا، للؤمهم غير المبرر وبغضهم الذي مُلئت به قلوبهم، على تعليم القرآن الكريم قائلين بأنه يعُدُّ واسطة الملائكة بين الله ورسله ضرورية. ولكنهم لم يفهموا حقيقة أن قانون الله تعالى عن التربية الجاري على وجه الأرض مبني على المبدأ نفسه. ألم يكن كبار علماء الهندوس الذين نزلت عليهم الفيدات الأربعة -بحسب قول الهندوس- محتاجين إلى تأثيرات الأجرام السماوية لسلامة قواهم الجسدية؟ هل كانوا قادرين على الرؤية بعيونهم وحدها دون الحاجة إلى ضوء الشمس؟ أو هل كانوا قادرين على سماع صوتٍ بغير واسطة الهواء؟ لا شك أن الجواب بالبداهة هو: كلا، بل كانوا حتمًا محتاجين جدا إلى تأثير الأجرام السماوية. ثم متى وأين أنكرت فيدات الهندوس الملائكة؟ بل الحق أنها بالغت كثيرا في الاعتراف بهذه الوسائط وتقديرها، حتى حسبت مرتبتها تضاهئ مكانة الله تعالى. فانظروا إلى “ريغ فيدا” مثلا لتعرفوا كم جاء فيه التأكيد على عبادة الأجرام السماوية والأجسام، وكيف سُوِّدت أوراقٌ كثيرة في مدحها والثناء عليها، وكيف قُدّمت لها بالتضرع والابتهال الأدعيةُ التي ما أجيبت. ولكن شريعة القرآن لم تفعل ذلك، بل ذكرت النفوس النورانية، المرتبطة بالأجرام السماوية والعناصر والدخانات ارتباط الروح بالجسم، باسم الملائكة أو الجِنة. ولم تعدّ الملائكة النورانيين -الذين لهم مكانة خاصة في الكواكب والنجوم النورانية- واسطة بينه – عز وجل – وبين رسله لدرجة حسبان الملائكة قادرين ومخوَّلين، بل بيّنت قدراتهم مقابله – سبحانه وتعالى – كالميت في يد الحيّ؛ يستخدمه الحي كما يشاء. لذا فقد أُطلق في بعض الأماكن من القرآن الكريم على كل ذرة من الأجسام أيضا اسم الملائكة؛ لأن كل تلك الذرات تسمع لربها الكريم وتفعل ما تؤمَر. فمثلا إن المواد التي تُحدث التغييرات في جسم الإنسان باتجاه الصحة أو العِلَّة، فإن كل ذرة من تلك المواد تتقدم أو تتأخر بحسب مشيئة الله. والآن يجب التدبر جيدا: هل الإيمانُ بالوسائط المذكورة في القرآن الكريم يستلزم أي نوع من الشرك؟ أو أيّ خلل يقع في قدرة الله وعظمته؟ بل الحق أنها أسرار المعرفة ودقائق الحكمة التي تلاحَظ في كل صفحة من صفحات قانون الطبيعة، وبدون الإيمان بهذا النظام لا تثبت قدرة الله الكاملة، ولا يمكن أن تعمل ألوهيته على ما يرام. وكيف يمكن أن يجري الكون كله بحسب مشيئة الله ما لم تُظهر كل ذرة انقيادها التام له كالملائكة؟ هل لأحد أن يوضّح لي ذلك؟ وإذا كان النظام الروحاني لملائكة السماء يعيب قدرة الله تعالى شيئا، فكيف لا يَطْعَنُ في قدرة الله الكاملة ذلك الإيمانُ بنظام الملائكة المادي الذي يماثل النظام الروحاني تماما؟ بل الحق أن معارضينا بمن فيهم الآريون وغيرهم قد أثاروا -لقلة بصيرتهم- اعتراضات لا أصل لها من الصحة، وإن أساسها موجود في معتقداتهم مع عقائد إشراكية كثيرة …
فليكن معلوما أيضا أن مرتبة الملائكة الخواص بحسب الشرع الإسلامي ليست أعلى من خواصّ البشر، بل إن الخواصّ من البشر أفضل من خواصّ الملائكة. وكونهم الوسائط في النظام المادي أو النظام الروحي لا يدل على أفضليتهم، بل هم مسخَّرون للخدمة كالخَدَم بحسب توجيه القرآن الكريم. (المصدر: كتاب توضيح المرام)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
كما قلت من قبل إن الملائكة ليسوا على مستوى واحد من حيث المرتبة والعظمة، وليسوا مكلَّفين بمهمة واحدة. بل كل ملاك مكلَّف بإنجاز مهمة مختلفة. فكل ما ترونه في الدنيا من تغيّرات وانقلابات، أو ما يحدث على صعيد الواقع بسبب القوة الكامنة، أو كلّما تصل الأرواح والأجسام إلى الدرجة المطلوبة من كمالها؛ كل ذلك يتم بعمل التأثيرات السماوية فيه. وفي بعض الأحيان يلقي ملاك واحد تأثيراته المختلفة في مواهب الناس وإمكانياتهم المتفاوتة. (المصدر: كتاب توضيح المرام، انظروا أيضا تفسير الآية:97)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
لا يقتصر الأمر على أن الملائكة يُرون في بعض الأحيان فقط بل في كثير من الأحيان يُظهرون كونهم واسطة في الكلام. (بركات الدعاء، الحاشية)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
من سنة الله أنه عندما يأتي مبعوث من الله ينزل الملائكة من السماء أو قولوا إن شئتم إنه ينزل نور على القلوب المهيأة وينورها ويقويها. وكل شخص يبدأ بفهم الأمور الروحانية نائلا القوة. ولأن ذلك المبعوث يكون هو السبب الحقيقي وراء نزول النور فكل المعارف الدينية في ذلك الزمن تُنسب إليه وحده. (المصدر: كتاب أيام الصلح، الحاشية)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
إن الملائكة يسمَّون ملائكةً لأنهم ملاك الأجرام السماوية وملاك الأجسام الأرضية، بمعنى أنهم بمنزلة الروح لقيامها وبقائها. وأيضا يسمَّون ملائكة لأنهم يقومون بأعمال الرسل أيضا. (المصدر: كتاب توضيح المرام)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
“وَالْمُسْلِمُ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِله رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَهُ نَحَرَ نَاقَةَ نَفْسِهِ وَتَلَّهَا لِلْجَبِينِ، وَمَا نَسِيَ الْحَيْنَ في حِينٍ. فَحَاصِلُ الْكَلامِ أَنَّ النُّسُكَ وَالضَّحَايَا في الِإسْلامِ، هِيَ تَذْكِرَةٌ لِهذا الْمَرَامِ، وَحَثٌّ عَلَى تَحْصِيلِ هذا المَقَامِ، وَإِرْهَاصٌ لِحَقِيقَةٍ تَحْصُلُ بَعْدَ السُّلُوكِ التَّامِّ. فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَّمُؤْمِنَةٍ كَانَ يَبْتَغِي رِضَاءَ اِلله الْوَدُودِ، أَنْ يَفْهَمَ هذِهِ الْحَقِيقَةَ وَيَجْعَلَهَا عَيْنَ الْمَقْصُودِ، وَيُدْخِلَهَا في نَفْسِهِ حَتَّى تَسْرِيَ في كُلِّ ذَرَّةِ الْوُجُودِ، وَلا يَهْدَأ وَلا يَسْكُن قَبْلَ أَدَاءِ هذِهِ الضَّحِيَّةِ لِلرَّبِّ الْمَعْبُودِ، وَلا يَقْنَع بِنَمُوذَجٍ وَقِشْرٍ كَالْجُهَلاءِ وَالْعُمْيَانِ، بَلْ يُؤَدِّي حَقِيقَةَ أَضْحَاتِهِ، وَيَقْضِي بِجَمِيعِ حَصَاتِهِ وَرُوحِ تُقَاتِهِ، رُوحَ الْقُرْبَانِ. هذا هُوَ مُنْتَهَى سُلُوكِ السَّالِكِينَ، وَغايَةُ مَقْصِدِ الْعَارِفِينَ، وَعَلَيْهِ يَخْتَتِمُ جَمِيعُ مَدَارِجِ الَأتْقِيَاءِ، وَبِهِ يَكْمُلُ سَائِرُ مَرَاحِلِ الصِّدِّيقِينَ وَالَأصْفِيَاءِ، وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي سَيْرُ الَأوْلِيَاءِ. وَإِذَا بَلَغْتَ إِلَى هذا فَقَدْ بَلَّغْتَ جُهْدَكَ إِلَى الانْتِهَاءِ، وَفُزْتَ بِمَرْتَبَةِ الْفَنَاءِ، فَحِينَئِذٍ تَصِلُ شَجَرَةُ سُلُوكِكَ إِلَى أَتَمِّ النَّمَاءِ، وَتَصِلُ عُنُقُ رُوحِكَ إِلَى لُعَاعِ رَوْضَةِ الْقُدْسِ وَالْكِبْرِيَاءِ، كَالنَّاقَةِ الْعَنْقَاءِ، إِذَا أَوْصَلَتْ عُنُقَهَا إِلَى الشَجَرَةِ الْخَضْرَاءِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ جَذَبَاتٌ وَنَفَحَاتٌ وَتَجَلِّيَاتٌ مِنَ الْحَضْرَةِ الَأحَدِيَّةِ، لِيَقْطَعَ بَعْضَ بَقَايَا عُرُوقِ الْبَشَرِيَّةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ إِحْيَاءٌ، وَإِبْقَاءٌ وَإِدْنَاءٌ، لِلنَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ الرَّاضِيَةِ الْمَرْضِيَّةِ الْفَانِيَةِ، لِيَسْتَعِدَّ الْعَبْدُ لِقَبُولِ الْفَيْضِ بَعْدَ الْحَيَاةِ الثَّانِيَةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ يُكْسَى الِإنْسَانُ الْكَامِلُ حُلَّةَ الْخِلافَةِ مِنَ الْحَضْرَةِ، وَيُصَبَّغُ بِصِبْغِ صِفَاتِ الُألُوهِيِّةِ، عَلَى وَجْهِ الظِّلِّيَّةِ، تَحْقِيقًا لِمَقَامِ الْخِلافَةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ يَنْزِلُ إِلَى الْخَلْقِ لِيَجْذِبَهُمْ إِلَى الرُّوحَانِيَّةِ، وَيُخْرِجَهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ الَأرْضِيَّةِ إِلَى الَأنْوَارِ السَّمَاوِيَّةِ، وَيُجْعَلُ وَارِثًا لِكُلِّ مَنْ مَضَى مِنْ قَبْلِهِ مِنَ النَّبِيّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّرَايَةِ، وَشُمُوسِ الْقُرْبِ وَالْوَلايَةِ، وَيُعْطَى لَهُ عِلْمُ الَأوَّلِينَ وَمَعَارِفُ السَّابِقِينَ مِنْ أُولِي الَأبْصارِ وَحُكَماءِ الْمِلَّةِ، تَحْقِيقًا لِمَقَامِ الْورَاثَةِ”. (المصدر: كتاب الخطبة الإلهامية)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
“وَالْمُسْلِمُ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِله رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَهُ نَحَرَ نَاقَةَ نَفْسِهِ وَتَلَّهَا لِلْجَبِينِ، وَمَا نَسِيَ الْحَيْنَ في حِينٍ. فَحَاصِلُ الْكَلامِ أَنَّ النُّسُكَ وَالضَّحَايَا في الِإسْلامِ، هِيَ تَذْكِرَةٌ لِهذا الْمَرَامِ، وَحَثٌّ عَلَى تَحْصِيلِ هذا المَقَامِ، وَإِرْهَاصٌ لِحَقِيقَةٍ تَحْصُلُ بَعْدَ السُّلُوكِ التَّامِّ. فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَّمُؤْمِنَةٍ كَانَ يَبْتَغِي رِضَاءَ اِلله الْوَدُودِ، أَنْ يَفْهَمَ هذِهِ الْحَقِيقَةَ وَيَجْعَلَهَا عَيْنَ الْمَقْصُودِ، وَيُدْخِلَهَا في نَفْسِهِ حَتَّى تَسْرِيَ في كُلِّ ذَرَّةِ الْوُجُودِ، وَلا يَهْدَأ وَلا يَسْكُن قَبْلَ أَدَاءِ هذِهِ الضَّحِيَّةِ لِلرَّبِّ الْمَعْبُودِ، وَلا يَقْنَع بِنَمُوذَجٍ وَقِشْرٍ كَالْجُهَلاءِ وَالْعُمْيَانِ، بَلْ يُؤَدِّي حَقِيقَةَ أَضْحَاتِهِ، وَيَقْضِي بِجَمِيعِ حَصَاتِهِ وَرُوحِ تُقَاتِهِ، رُوحَ الْقُرْبَانِ. هذا هُوَ مُنْتَهَى سُلُوكِ السَّالِكِينَ، وَغايَةُ مَقْصِدِ الْعَارِفِينَ، وَعَلَيْهِ يَخْتَتِمُ جَمِيعُ مَدَارِجِ الَأتْقِيَاءِ، وَبِهِ يَكْمُلُ سَائِرُ مَرَاحِلِ الصِّدِّيقِينَ وَالَأصْفِيَاءِ، وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي سَيْرُ الَأوْلِيَاءِ. وَإِذَا بَلَغْتَ إِلَى هذا فَقَدْ بَلَّغْتَ جُهْدَكَ إِلَى الانْتِهَاءِ، وَفُزْتَ بِمَرْتَبَةِ الْفَنَاءِ، فَحِينَئِذٍ تَصِلُ شَجَرَةُ سُلُوكِكَ إِلَى أَتَمِّ النَّمَاءِ، وَتَصِلُ عُنُقُ رُوحِكَ إِلَى لُعَاعِ رَوْضَةِ الْقُدْسِ وَالْكِبْرِيَاءِ، كَالنَّاقَةِ الْعَنْقَاءِ، إِذَا أَوْصَلَتْ عُنُقَهَا إِلَى الشَجَرَةِ الْخَضْرَاءِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ جَذَبَاتٌ وَنَفَحَاتٌ وَتَجَلِّيَاتٌ مِنَ الْحَضْرَةِ الَأحَدِيَّةِ، لِيَقْطَعَ بَعْضَ بَقَايَا عُرُوقِ الْبَشَرِيَّةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ إِحْيَاءٌ، وَإِبْقَاءٌ وَإِدْنَاءٌ، لِلنَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ الرَّاضِيَةِ الْمَرْضِيَّةِ الْفَانِيَةِ، لِيَسْتَعِدَّ الْعَبْدُ لِقَبُولِ الْفَيْضِ بَعْدَ الْحَيَاةِ الثَّانِيَةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ يُكْسَى الِإنْسَانُ الْكَامِلُ حُلَّةَ الْخِلافَةِ مِنَ الْحَضْرَةِ، وَيُصَبَّغُ بِصِبْغِ صِفَاتِ الُألُوهِيِّةِ، عَلَى وَجْهِ الظِّلِّيَّةِ، تَحْقِيقًا لِمَقَامِ الْخِلافَةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ يَنْزِلُ إِلَى الْخَلْقِ لِيَجْذِبَهُمْ إِلَى الرُّوحَانِيَّةِ، وَيُخْرِجَهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ الَأرْضِيَّةِ إِلَى الَأنْوَارِ السَّمَاوِيَّةِ، وَيُجْعَلُ وَارِثًا لِكُلِّ مَنْ مَضَى مِنْ قَبْلِهِ مِنَ النَّبِيّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّرَايَةِ، وَشُمُوسِ الْقُرْبِ وَالْوَلايَةِ، وَيُعْطَى لَهُ عِلْمُ الَأوَّلِينَ وَمَعَارِفُ السَّابِقِينَ مِنْ أُولِي الَأبْصارِ وَحُكَماءِ الْمِلَّةِ، تَحْقِيقًا لِمَقَامِ الْورَاثَةِ”. (المصدر: كتاب الخطبة الإلهامية)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
قد أنبأ الله تعالى في “البراهين الأحمدية” عني وبواسطتي بأنه جاعل خليفة على غرار آدم. فحين سمع بعض المعاندين هذا الخبر ووجدوا أحوالي تناقض بعض معتقداتهم قالوا في أنفسهم: أتَجْعَلُ فِيْهَا يا ربّنا خليفةً شخصا يُفْسدُ فِيْهَا ويُحدث الفُرقة في القوم بغير وجه حق، ويخرُج عن مسلّمات العلماء. فقال تعالى في الجواب: إني أعلم ما لا تعلمون. فهذا هو كلام الله الذي نزل عليّ. والحق أن بيني وبين الله أسرارا دقيقة لا تعلمها الدنيا. وإن لي مع الله صلة باطنية لا يمكن بيانها، ولكن الناس في هذا العصر غافلون عنها. فهذا هو معنى وحي الله تعالى القائل: “قَالَ إنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُوْن”.(المصدر: كتاب البراهين الأحمدية، الجزء الخامس)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
لا كمال للإنسان من الناحية الروحانية أكبر من أن يحظى بصفاء يصل إلى درجة تتراءى فيه صورة الله تعالى. فيشير الله في القرآن الكريم إلى هذا الأمر ويقول:
{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الَأرْضِ خَلِيفَةً} والظاهر أن الصورة تكون خليفة للأصل وتنوب عنه، لذا حيثما وكيفما تكون الأعضاء والملامح في الأصل، فهي تظهر في الصورة كذلك تماما. لقد ورد في التوراة والحديث الشريف أيضا أن الله تعالى قد خلق الإنسان على صورته، والمراد من الصورة هنا هو التشابه الروحاني نفسه. وواضح أنه حين يقع ضوء الشمس على مرآة صافية فلا تتراءى فيها الشمس فقط، بل تُظهر المرآة صفاتها أيضا، ومنها انعكاس ضوئها إلى غيرها. والحال نفسها فيما يتعلق بصورة الشمس الروحانية، فحين يقبلها القلب النقي بصورة انعكاسية تخرج من ذلك القلب أيضا أشعة كأشعة الشمس وتنوِّر الأشياء الأخرى، وكأن الشمس كلها تدخله بكل قوة وعظمة. (المصدر: كتاب حقيقة الوحي)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
“وإن نبيّنا – صلى الله عليه وسلم – كان آدمَ خاتمةِ الدنيا ومنتهى الأيام، وخُلِق كآدم بعدما خُلق على الأرض كلّ نوع من الدواب وكلّ صنف من السباع والأنعام، ولمّا خلَق الله هذه الخليقة من أنواع النَّعَم والسباع والدود على الأرضين؛ أعني كلَّ حزب من الفاجرين والكافرين، والذين آثروا الدنيا على الدين، وخلَق في السماء نجومها وأقمارها وشموسها .. أعني النفوس المستعدّة من الطاهرين المنوّرين، خلَق بعد هذا آدمَ الذي اسمه محمد وأحمُد، وهو سيدُ وُلْدِ آدمَ وأتقى وأسعدُ، وإمامُ الخليقة .. وإليه أشار الله في قوله {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ في الَأرْضِ خَلِيفَةً.} وبعزة الله وجلاله إنّ لفظ {إِذْ} يدلّ بدلالة قطعية على هذا المقصود، ويدل عليه سياق الآية وسباقها إن كنتَ لست كاليهود، فلا شك أنه آدمُ آخرِ الزمان، والُأمّةُ كالذُرّية لهذا النبي المحمود، وإليه أشار في قوله {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ.} فأمعِنْ فيه وتَفكّرْ، ولا تكن من الغافلين. وإن زمان روحانية نبيّنا – عليه السلام – قد بدأ من الألف الخامس وكمُل إلى آخر الألف السادس، وإليه أشار في قوله تعالى {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ.} وتفصيل المقام أن نبيّنا – صلى الله عليه وسلم – قد جاء على قدمِ آدم، وأن روحانية آدم قد طلعت في اليوم الخامس لِمَا خُلق إلى هذا اليوم كلُّ ما كان من أجزاء هويّته وحقيقة ماهيّته، فإن الأرض بجميع مخلوقاتها والسماء بجميع مصنوعاتها كانت حقيقةَ هويّةِ آدم، كأن مادّتَه قد انتقلت من الحقيقة الجمادية إلى الحقيقة النباتية، ثم من الحقيقة النباتية إلى الهويّة الحيوانيّة، ثم بعد ذلك انتقلتْ من حيث الروحانية من الكمالات الكوكبية إلى الكمالات القمرية، ومن الأنوار القمرية إلى الأشعة الشمسية، وكانت هذه الانتقالات كلها مَظاهِرَ ترقّياتِ العالم إلى معارج الحقيقة الإنسانية. كأن الإنسان كان في وقتٍ جمادًا، وفي وقتٍ آخر نباتا، وبعد ذلك حيوانا، وبعد ذلك كوكبا وقمرا وشمسا، حتى جُمع في اليوم الخامس كلُّ ما اقتضتْ فطرتُه من القوى الأرضية والسماوية بفضل الله أحسن الخالقين. فكان الخَلق كله فردًا كاملا لآدم، أو مِرآةً لوجوده الذي أعزّه الله وأكرم، ثم أراد الله أن يُرِيَ هذه الخفّايا على وجُه الكمال فّي شخصٍ واحدٍ هو مظهرُ جميعِ هذه الخصال، فتجلت روحانية آدم بالتجلي الجامع الكامل في الساعة الآخرة من الجمعة، أعني اليوم الذي هو السادس من الستّة. فكذلك طلعَتْ روحانيةُ نبيّنا – صلى الله عليه وسلم – في الألف الخامس بإجمال صفاتها، وما كان ذلك الزمان منتهى ترقّياتها، بل كانت قدمًا أُولى لمعارج كمالاتها، ثم كمُلتْ وتجلّت تلك الروحانية في آخر الألف السادس، أعني في هذا الحين كما خُلق آدم في آخر اليوم السادس بإذن الله أحسن الخالقين. واتخذتْ روحانيةُ نبيّنا خير الرسل مَظهرًا مِن أُمّته لتبلغ كمالَ ظهورها وغلبةَ نورها كما كان وعد الله في الكتاب المبين. فأنا ذلك المظهر الموعود والنور المعهود، فآمِنْ ولا تكنْ من الكافرين”. (المصدر: كتاب الخطبة الإلهامية )
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
لقد وُلد آدم وقت العصر في اليوم السادس حين كانت دورة زُحل على وشك الابتداء بعد نهاية دورة المشتري. ولأن تأثيرات زحل هي القتل وسفك الدماء فقال الملائكة ظنا منهم بأنه سيولَد في أثناء تأثيرات زحل وقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا.} من المعلوم أنه كما يطّلع الإنسان على تأثيرات أرضية وخواص النباتات كذلك تعرف المخلوق السماوي أيضا التأثيرات السماوية. (المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 26-7-1908م)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
يمكن الاستنباط من الآية: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الَْأرْضِ خَلِيفَةً} أن يكون قوم موجودا عندئذ. يقول الله تعالى آية أخرى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} (الحجر: 27) أي أن قومَ الجانّ كان موجودا قبل آدم. وفي صحيح البخاري حديث جاء فيه أن الله تعالى خالق منذ الأزل. وهذا هو الحق لأننا إن لم نؤمن بالله تعالى خالقا منذ الأزل فهذا يحطّ من عظمته – سبحانه وتعالى ، والعياذ بالله، إذ لا بد في هذه الحالة من القبول أن الله تعالى كان عاطلا قبل آدم. ولكن ما دام القرآن الكريم يقول بأن صفات الله تعالى قديمة وأزلية لذا إن مضمون هذا الحديث صحيح تماما. إن تركيب القرآن الكريم يدل على استمرار هذه الصفات ولكن لو بدأ الخلق من آدم وليس قبله لما كان التركيب النحوي في القرآن الكريم على هذا النحو. (المصدر: جريدة البدر، بتاريخ 37-1903م)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
يمكن أن يكون هناك قوم موجودا من قبل ثم يخلق الله قوما آخر مع وجود ذلك القوم أو يهلك قوما ثم يخلق قوما آخر. وحادث مثله مذكور في قصة موسى أيضا. وفي زمن أيضا كان الله قد أهلك أقواما سابقة. ثم عندما خلق آدم خلق قوما آخر أيضا. ليس ضروريا للخليفة أن يكون قوم موجودا قبله حتما إذ يمكن أيضا أن يُخلق قومٌ آخر ويُجعل هو خليفة القوم الأول وأن يكون آدم هو المؤسس لهذا القوم لأن الله أزلي وأبدي لا يطرأ عليه أيّ تغيُّر ولكن الإنسان ليس أزليا ولا أبديا فيطرأ عليه التغيُّر. وقد سمِّيتُ أنا أيضا آدم في إلهامي أيضا. وعندما يصيب الموتُ الروحانيةَ أي تموت الإنسانية الحقيقية يخلق الله تعالى شخصا آخر كآدم وكذلك يظل الأوادم يُخلقون دائما. إذا لم تكن هذه السلسلة منذ القِدم فلا بد من الاعتراف أن الله موجود منذ خمسة أو ستة آلاف سنة فقط وليس من الأزل أو أنه كان معطلا من قبل. (المصدر: جريدة البدر، بتاريخ 3-7-1903م)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
لا يتبنّى الإسلام ولا القرآن الكريم مذهبا أن الدنيا خُلقت منذ ستة آلاف سنة. هذا اعتقاد النصارى. أما القرآن الكريم فيقول عن آدم: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الَْأرْضِ خَلِيفَةً.} والمعلوم أن الخليفة هو من يأتي بعد أحد ويخلفه. فيتبين من ذلك أنه كان هناك مخلوق قبل آدم أيضا وكان آدم خليفة له. (المصدر: جريدة البدر، بتاريخ 6-7-1905م)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
نحن لا نعتقد ذلك ولا نتبع التوراة في قولها بأن هذه الدنيا بدأت من ستة أو سبعة آلاف سنة منذ أن خُلق آدم الحالي ولم يكن هناك شيء قبله وكأن الله تعالى كان عاطلا. ولا نقول أيضا بأن النسل الإنساني الموجود الآن في مختلف أنحاء العالم كله من نسل آدم هذا الأخير. بل نعتقد بوجود نسل آدم قبل آدم الحالي أيضا كما يتبين من القرآن الكريم. يقول الله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الَْأرْضِ خَلِيفَةً.} والخليفة هو مَن يقوم مقام أحد. فيتبين من ذلك أن مخلوقا كان موجودا قبل آدم أيضا. فلا يسعنا القول عن الناس في أميركا وأستراليا وغيرهم إن كانوا من أولاد آدم هذا الأخير أو من أولاد آدم آخر. هناك قول للشيخ محي الدين بن عربي ينسجم مع سؤالك حيث يقول: ذهبتُ للحج ورأيت هناك شخصا ظننتُه آدم فسألته: هل أنت آدم؟ فقال: عن أيّ آدم تسألني؟ إذ قد مضى آلاف الأوادم. (المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 30-5-1908م)
قال مجدد القرن الرابع عشر الامام ميرزا غلام احمد القادياني ، الإمام المهدي ومسيح آخر الزمان :
{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}، لقد رأى الملائكة في الكشف فسادا كان أولاد آدم سيعيثونه. (المصدر: جريدة الحَكَم، بتاريخ 21-28 مايو 1943م و 7-14 يونيو 1943م )
